في الأسبوع نفسه الذي وصل فيه فيلم كريستوفر نولان The Odyssey إلى صالات السينما، ظهر ظل آخر للملحمة القديمة: فيلم طويل مولد بالذكاء الاصطناعي بعنوان Odysseus: The Fall، أو «أوديسيوس: السقوط». وبدت المفارقة مقصودة تقريباً، فهنا نولان، صاحب السينما الثقيلة والمواقع الحقيقية وكاميرات الآيماكس، وهناك فيلم صنع بصور مولدة آلياً، من دون سفن حقيقية، ولا مواقع تصوير ضخمة، ولا نجوم من الصف الأول.
القصة لم تعد عن «الأوديسة» وحدها. صارت عن مستقبل هوليوود نفسه، فهل يمكن لفلم مصنوع بالذكاء الاصطناعي أن يحاكي ملحمة تاريخية؟
رقمان متقابلان
نسخة نولان من The Odyssey كلفت نحو 250 مليون دولار، وصُورت على كاميرات آيماكس 70 ملم، مع طاقم يضم مات ديمون، آن هاثاواي، توم هولاند، زندايا، روبرت باتنسون، لوبيتا نيونغو، وتشارليز ثيرون. والفيلم صُمم منذ البداية كتجربة صالات كبيرة، لا كمحتوى عابر على شاشة صغيرة.
في الجهة الأخرى، تقول تقارير أمريكية إن «أوديسيوس: السقوط» صُنع بميزانية في حدود منتصف الخانة الخماسية، أي بعشرات الآلاف من الدولارات، وربما بين 50 و75 ألف دولار وفق تقديرات متداولة. مدته 135 دقيقة، ومن المقرر طرحه عبر موقع استوديو فاونتن 0 بسعر تأجير يقارب 9.99 دولارات.
وهنا يصبح الفرق مذهلاً: ملحمة بـ250 مليون دولار، وأخرى قد لا تتجاوز كلفة يوم تصوير واحد في فيلم ضخم.
لماذا وُجد؟
الفيلم ليس موجوداً لأنه يتوقع هزيمة نولان في شباك التذاكر، وحتى القائمون عليه لا يزعمون ذلك، الغرض الأوضح هو إثبات فكرة أن أدوات الذكاء الاصطناعي تستطيع إنتاج فيلم طويل بسرعة وكلفة منخفضة، وأن الاستوديو الصغير يمكنه أن يستجيب لحدث ثقافي ساخن، مثل صدور «الأوديسة»، خلال وقت قصير.
المخرج آش كوشا، المؤسس المشارك لاستوديو «فاونتن 0»، بنى الفيلم حول أوديسيوس، واستخدم تقنيات توليد الفيديو لصناعة العالم البصري. وبحسب تقارير، كتب البشر النص وقدموا الأصوات، بينما تولدت الصور والمشاهد بصرياً عبر الذكاء الاصطناعي، أي أننا أمام فيلم هجين: فكرة وقرار صوتي بشري، وصورة مولدة بالآلة. لهذا يبدو «أوديسيوس: السقوط» أقرب إلى عرض تقني منه إلى منافس سينمائي تقليدي.
هل يهدد هوليوود؟
الذكاء الاصطناعي قد يضغط على الأفلام الصغيرة، والإعلانات، والمشاريع منخفضة الميزانية، وأعمال البث السريعة، ومحتوى الشركات التي تحتاج إلى صورة رخيصة لا إلى تجربة سينمائية كبرى. ويمكنه أن يقلل كلفة المؤثرات، ويساعد في التصور البصري، ويمنح مخرجين مستقلين أدوات لم تكن متاحة لهم سابقًا.
لكن ما يفعله نولان تحديداً يبدو حتى الآن صعب الاستبدال، ففيلم مثل «الأوديسة» لا يبيع الصورة فقط، يبيع الحضور في الصالة، والصوت، وحجم الشاشة، واسم المخرج، والثقة في أن ما نراه صنع عبر جهد جماعي كبير.
وقال نولان في مقابلات حديثة إن فكرة أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الإبداع الإنساني تبدو له غير منطقية، وإن الجمهور، خصوصاً الأصغر سناً، يزدري كثيراً مما يسمى اليوم محتوى الذكاء الاصطناعي الرديء.
الجمهور يحكم
ردود الفعل على «أوديسيوس: السقوط» جاءت منقسمة، مع ميل واضح إلى الشك. فبعض المتابعين رأوا فيه فرصة ديمقراطية لصناعة الأفلام: إذا كانت الملحمة القديمة حكراً على استوديو يملك 250 مليون دولار، فإن الذكاء الاصطناعي قد يمنح صناعًا صغاراً فرصة لتخيل عوالم كبيرة.
لكن قطاعاً واسعاً تعامل معه كجزء من ظاهرة المحتوى السريع واللامع الذي تنقصه الروح واللمسة البشرية، وركزت انتقادات كثيرة على أن الصورة قد تكون براقة، لكن الأداء والإحساس والإيقاع والتفاصيل الصغيرة التي تصنع السينما لا تأتي من اللقطة وحدها.
المفارقة أن فيلم نولان نفسه استفاد من هذا الجدل، فكلما قورنت النسخة الاصطناعية بنسخته، زاد الإحساس بأن «الأوديسة» يمثل دفاعاً عن السينما القديمة بمعناها الحرفي: تصوير، مواقع، ممثلون، جسد، تعب، بحر حقيقي، ووقت طويل.
شباك التذاكر
أما تجارياً، فالمقارنة محسومة حتى الآن، «أوديسيوس: السقوط» لا يملك افتتاحًا سينمائياً تقليدياً، لأنه سيُطرح مباشرة عبر الإنترنت. في المقابل، حقق فيلم نولان 17.6 مليون دولار من عروض الخميس التمهيدية في أمريكا الشمالية، وهو أكبر رقم معاينات في 2026، مع توقعات بأن يتجاوز افتتاحه العالمي 250 مليون دولار.
