قبل أن يتعلم الإنسان الأبجدية، كان يعرف كيف يصرخ، وقبل أن تختلف اللهجات، كان الطفل يبكي، والأم تميز جوعه من خوفه، والناس يفهمون الضحك قبل أن يعرفوا لغة صاحبه، كأن في داخل البشر لغة أقدم من الكلمات، لا تحتاج إلى قاموس، ولا تعترف بالحدود.
هذه هي الأصوات الغريزية: الضحك، البكاء، الصراخ، التأوه، التنهد، الأنين، الشهقة، وحتى ذلك الصوت القصير الذي نقوله حين لا نفهم: «هاه؟». إنها أصوات تخرج من الجسد قبل أن تمر على قواعد النحو، لكنها تحمل معنى فورياً يفهمه الإنسان غالباً مهما اختلفت لغته وثقافته.
قبل الكلام
اللغة المنطوقة تُعلَّم، أما الصوت الغريزي فيولد معنا، فالرضيع لا يحتاج إلى درس كي يبكي، ولا يحتاج الإنسان إلى قاموس كي يصرخ عند الخطر أو يتنهد عند التعب، لذلك تبدو هذه الأصوات كأنها طبقة عميقة من التواصل الإنساني، تسبق اللغة وترافقها في الوقت نفسه.
وتشير مراجعة علمية حديثة عن الأصوات غير اللفظية إلى أن أصواتاً مثل البكاء والضحك والأنين والصراخ والتنهد تؤدي وظائف مختلفة في التواصل الإنساني والتعبير العاطفي، وأنها تتشكل من استعدادات بيولوجية وتأثيرات ثقافية في آن واحد.
ضحك عابر
الضحك من أوضح هذه اللغات الغريزية، قد لا تفهم جملة قيلت بالإسبانية أو اليابانية أو السواحيلية، لكنك غالباً ستفهم أن صاحبها يضحك، فالضحك لا يكتفي بإعلان الفرح، بل إنه يبني القرب، ويخفف التوتر، ويقول للآخرين: نحن في لحظة آمنة.
وتؤكد مراجعة علمية عن الضحك والثقافة أن الضحك، مثل معظم الأصوات البشرية غير اللفظية، يصدر عن متحدثي جميع اللغات وفي كل المجتمعات المعروفة، رغم أن طريقة استخدامه وتفسيره قد تختلف باختلاف الثقافة والموقف الاجتماعي.
صرخة إنذار
أما الصراخ فهو الوجه الآخر لهذه اللغة، إنه لا يطلب تفسيراً طويلاً، فيكفي أن نسمعه حتى يلتفت الجسد كله.
الصرخة تحمل الخطر قبل أن تشرحه، وتسبق الجملة لأنها أحياناً مسألة نجاة.
وقد درست أبحاث منشورة في «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» قدرة البشر على التعرف إلى أصوات عاطفية غير لفظية، مثل الصراخ والضحك، عبر ثقافات مختلفة، ووجدت أن بعض هذه الأصوات يمكن أن تنقل حالات عاطفية أساسية حتى بين جماعات متباعدة ثقافياً.
هاه عالمية
حتى في قلب اللغة المنطوقة توجد أصوات صغيرة تكاد تبدو عالمية.
فكلمة أو صوت «هاه؟» الذي نقوله حين لا نسمع أو لا نفهم، يظهر بصيغ متقاربة في لغات كثيرة حول العالم.
وفي دراسة منشورة في دورية «بلوس ون»، حلل باحثون محادثات طبيعية في 10 لغات، وقدموا أدلة على أن «?Huh» أو ما يشبهها موجودة في صورة ووظيفة متقاربتين عبر لغات مختلفة، وتستخدم لطلب التكرار أو توضيح الكلام عندما لا يسمع المتلقي ما قيل بوضوح.
اختلاف مسموع
ومع أن هذه الأصوات تبدو مشتركة بين البشر، فإنها لا تخرج دائماً بالنبرة نفسها. فالضحكة في ثقافة ما قد تكون قصيرة ومكتومة، وفي أخرى عالية وممتدة.
وصوت التعجب أو الألم قد يتلون بحسب اللغة واللهجة، فهناك من يقول «آه»، ومن يقول «أوف»، ومن يقول «أوتش»، ومن يمد الصوت أو يقطعه وفق إيقاع لغته الأم.
لكن هذا الاختلاف لا يلغي الفهم، بل يؤكد مرونة هذه اللغة الغريزية، فاللهجات والثقافات تضيف إلى الصوت لوناً محلياً، بينما يبقى المعنى الأساسي واضحاً: ألم، دهشة، خوف، ارتياح، أو فرح.
كأن الإنسان يضع توقيعه الثقافي على صوت مشترك، فيبقى الصوت مفهوماً حتى وإن تغيّرت طريقته.
بين الغريزة
لكن هذه الأصوات ليست بيولوجيا خالصة، فالناس يضحكون ويبكون ويتأوهون في كل مكان، لكنهم لا يفعلون ذلك بالطريقة نفسها دائماً، ولا في المواقف نفسها، فهناك مجتمعات تسمح بإظهار الحزن علناً، وأخرى تضبطه، وهناك أماكن يكون فيها الضحك العالي مقبولاً، وأخرى تراه خروجاً عن الوقار.
وتشير دراسة حديثة منشورة في «جورنال أوف نونفيربال بيهيفيور» عن قواعد إظهار الأصوات غير اللفظية، مثل الضحك والتنهد والأنين، إلى أن هذه الأصوات جزء أساسي من التواصل اليومي، لكن الأعراف الاجتماعية تحدد متى يكون التعبير بها مناسباً، وأمام من، وفي أي سياق.
ثقافات مختلفة
هنا تظهر المفارقة الجميلة: الصوت واحد تقريباً، لكن معناه الاجتماعي يتلوّن، البكاء قد يكون نداء نجدة، أو علامة حزن، أو طقساً جماعياً.
الضحك قد يكون فرحاً، أو حرجاً، أو مجاملة.
التنهد قد يعني التعب، أو الارتياح، أو الملل.
أي أن الغريزة تمنحنا المادة الخام، والثقافة تصوغ طريقة استخدامها.
ولهذا لا يمكن القول إن الأصوات الغريزية تلغي اختلاف اللغات، بل إنها تعيش تحتها، هي طبقة مشتركة لا تمحو الخصوصية، لكنها تذكّرنا بأن الإنسان، مهما اختلفت لهجته، يحمل في جسده مفاتيح تواصل أقدم من الكلام.
جسد يتكلم
عندما يقول شخص «آه» لا يحتاج دائماً إلى شرح طويل.
وعندما يضحك طفل في قطار غريب، يفهم الركاب شيئاً من عدواه قبل أن يعرفوا اسمه.
وعندما تصرخ امرأة في شارع مزدحم، تتحرك الرؤوس نحوها قبل أن تُترجم الصرخة إلى كلمات.
هذه الأصوات هي لغة الجسد حين يصبح مسموعاً، إنها لا تصف التجربة من الخارج، بل تخرج منها مباشرة: ألم يتحول إلى أنين، دهشة تتحول إلى شهقة، تعب يتحول إلى زفرة، وفرح يتحول إلى ضحك.
كوكب واحد
وسط آلاف اللغات واللهجات، تكشف الأصوات الغريزية عن خيط إنساني لا ينقطع، نحن نختلف في طريقة قول "أنا حزين"، لكننا قد نتشابه في البكاء.
نختلف في كلمة "خطر"، لكن الصرخة تسبق الترجمة.
نختلف في النكات، لكن الضحك يعرف طريقه إلى الوجه والصدر.
لذلك تبدو هذه الأصوات كأنها لغة بشرية تجتاح الكوكب بصمتها الصاخب، لا لأنها بديل عن اللغات، بل لأنها أصل قديم يذكّرنا بأن الإنسان لم يبدأ بالكلمات وحدها، بل بالنداء، والضحك، والبكاء، والآه التي قالت أولاً: أنا هنا.
