في قلب الحراك الثقافي المتسارع الذي تشهده الدولة ، وفي ظل الثورة الرقمية الشاملة، يمر الكتاب بواحد من أهم التحولات في تاريخه. فمع انتقاله من أرفف المكتبات التقليدية إلى الفضاءات الرقمية المفتوحة، لم تقتصر هذه الطفرة على آليات الطباعة والتوزيع فحسب، بل امتدت لتعيد تشكيل بيئة النشر بالكامل وأنماط القراءة والتلقي.
«البيان» استطلعت آراء نخبة من الكتّاب والناشرين والمثقفين في الإمارات حول أثر التحولات التقنية في صناعة الكتاب، ومستقبل المعرفة، والمعايير الجديدة التي تصنع نجاح الإصدارات في زمن المنصات الرقمية، إذ أكدوا أهمية مبادرات وإنجازات الإمارات في الصدد، مشيرين إلى ضرورة معالجة بعض المسائل التي تكفل إثراء مكانة الدولة في الخصوص.
يؤكد الكاتب الروائي عبيد إبراهيم بو ملحة، أن الثورة الرقمية أحدثت تأثيراً جذرياً وشاملاً ألقى بظلاله على صناعة الكتاب وسوق النشر وطبيعة القراء على حد سواء، موضحاً أن التحولات التقنية المتسارعة فرضت واقعاً جديداً على مختلف أطراف العملية الثقافية، بدءاً من الكاتب والناشر وصولاً إلى القارئ ووسائل توزيع المعرفة.
وأشار إلى أن مواكبة هذا التحول الرقمي تنقسم حالياً بين اتجاهين ورأيين بارزين في الساحة الثقافية، يتمثل الأول في التساؤل عن مدى قدرة الكتاب الورقي على الحفاظ على مكانته التاريخية في ظل ظهور مسارات رقمية جديدة وأكثر جاذبية للوصول إلى الجمهور، مع السعي إلى تطوير وسائل مبتكرة تضمن استمرار حضوره وتفاعله مع المتغيرات الراهنة.
في المقابل، يرى الاتجاه الآخر، بحسب بو ملحة، أن التطور التقني المتسارع قد يقود مستقبلاً إلى تراجع دور الكتاب الورقي بصورة كبيرة، بل إمكانية الاستغناء عنه لمصلحة الأدوات والوسائل الحديثة، وفي مقدمتها الكتب الإلكترونية والمنصات الرقمية التي تتيح الوصول السريع إلى المحتوى المعرفي والثقافي.
وأوضح عبيد بو ملحة أن الكتاب الورقي لا يزال حتى الآن محافظاً على وجوده الكافي وثباته في مواجهة هذه التحولات، مؤكداً أنه ما زال يحتفظ بجمهور واسع من القراء الذين يفضلون تجربة القراءة التقليدية وما تمنحه من ارتباط مباشر بالكتاب، لافتاً إلى أن الصيت والشهرة الرائجة في الأسواق يتجهان في الوقت الراهن نحو الكتب العادية والتجارية ذات الانتشار السريع، بينما يظل الإقبال على الكتب العميقة والمؤلفات الفكرية والعلمية والدراسات المتخصصة محصوراً في شريحة محدودة جداً من المتخصصين والمهتمين، وبأعداد بسيطة مقارنة بغيرها من الإصدارات.
ورأى أن هذا التفاوت الواضح بين أنواع الكتب المقروءة يعكس خللاً ملموساً في مشهد القراءة الحالي، ويطرح تساؤلات مهمة عن أولويات التلقي الثقافي ومستقبل القراءة المعرفية المتخصصة.
عامل معزز
من جانبه، أوضح سلطان المزروعي، نائب رئيس الاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات، أن العصر الرقمي لم يغير نجاح الكتاب بمفهومه السلبي، بل شكل عاملاً معززاً أساسياً في دعم انتشار الكتب الرقمية، وتسهيل وصول القراء إلى أحدث الطبعات وأفضل الإصدارات العالمية، مؤكداً أن النشر الرقمي حول العالم إلى قرية صغيرة، ما أتاح للكاتب الإماراتي فرصة ذهبية للوصول بنتاجه الأدبي والفكري إلى أبعد العواصم العالمية، مثل أمريكا وأستراليا، وهو في موقعه، وأن التحدي الحقيقي لم يعد في عملية النشر بحد ذاتها، بل في آليات تسويق الكتاب وكيفية إيصاله إلى الفئات المستهدفة.
وشدد المزروعي على أهمية الحملات التسويقية الممنهجة، ورأى أن نجاح أي كتاب يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى قدرة الكاتب أو الناشر على استهداف الجمهور الصحيح، وهو ما يضمن تعزيز حضور المؤلف واستدامة وصوله إلى القارئ الشغوف، مشيراً إلى أن الجودة لا تزال تحتفظ بريادتها وسيادتها؛ إذ بات القارئ المعاصر، بفضل التعددية المتاحة في الطبعات والإصدارات، يمتلك وعياً نقدياً عالياً يُمكّنه من التمييز بدقة بين الكاتب المتميز وغيره، فضلاً عن قدرته على تقييم جودة الطبعات، وخصوصاً في مجال تحقيق كتب التراث.
وأضاف أنه على الرغم من الطفرة الكبيرة في أعداد الناشرين والكتاب وتزايد حدة المنافسة في السوق، فإن الآليات الرقمية جعلت من فرصة بروز العمل الجيد والمميز أمراً ممكناً وأكثر مرونة من السابق، موضحاً أن صناعة الكتاب في الإمارات تسير في منحنى نمو تصاعدي مبشر بفعل الدعم اللامحدود والرعاية المستمرة من الجهات المعنية المتمثلة في المنح والمبادرات التي تقدمها وزارة الثقافة، وبرامج إعادة طبع الإصدارات القيّمة، إلى جانب الدور المحوري الذي تنهض به المؤسسات المتخصصة، وأن قطاع الكتاب يعيش حالياً مرحلة صعود حقيقية تعزز مكانة الدولة مركزاً ثقافياً رائداً.
أهداف الكاتب
من جهته، رأى الشاعر والكاتب والناشر علي الشعالي، أن الثورة الرقمية أعادت تشكيل مفاهيم صناعة النشر، ولا سيما مفهوم «نجاح الكتاب»، موضحاً أن معايير النجاح تختلف باختلاف أهداف الكاتب؛ فالباحث عن العائد المادي السريع قد يواجه تحديات كبيرة في سوق الكتاب العربي، بينما باتت فرص الوصول إلى القراء ونقل الأفكار أكثر اتساعاً عبر المنصات الرقمية. وأشار إلى أن عدد الناطقين بالعربية، الذي يتراوح بين 400 و450 مليون نسمة، لا يعكس بالضرورة حجم الجمهور القارئ، بسبب عوامل اقتصادية واجتماعية تحد من الوصول إلى الكتاب أو تجعل القراءة أولوية ثانوية لدى كثيرين، مضيفاً أن تحقيق نجاحات استثنائية في عالم النشر يظل حكراً على قلة من الكتّاب، وهو أمر طبيعي يتكرر في مختلف أنحاء العالم. وأكد الشعالي أن الحظ والتوفيق قد يؤديان دوراً في بروز بعض الأسماء، إلا أن النجاح يتطلب الأخذ بأسباب النشر السليم، بدءاً من إعداد مخطوط متقن وخالٍ من الأخطاء، مروراً بالمراجعة الجيدة، وصولاً إلى اختيار الناشر المتخصص القادر على إيصال العمل إلى جمهوره المناسب، داعياً الكتّاب إلى التفاعل مع الجمهور والمشاركة في الفعاليات والمهرجانات الثقافية، والصبر والتدرج في بناء المسيرة الأدبية.
وعن مستقبل النشر في الإمارات، أعرب عن تفاؤله استناداً إلى النمو المتواصل في أعداد القراء والكتّاب والناشرين، وإلى الزخم الذي تقوده المؤسسات والمبادرات الثقافية في جميع الإمارات، موضحاً أن هذا الحراك يرفع مستوى الذائقة الثقافية، ويحفز تقديم محتوى أكثر جودة، برغم التحديات العالمية التي تفرضها الوسائط الرقمية، مؤكداً أن القراءة ضرورة إنسانية وثقافية تسهم في تحقيق التوازن النفسي، وليست مجرد وسيلة للتعلم أو المنفعة المباشرة.




