حين تحوّل دم المصارعين إلى «دواء».. أغرب وصفات روما القديمة لعلاج الصرع

في المدرجات الرومانية، لم يكن سقوط المصارع يعني نهاية العرض بالنسبة إلى الجميع، فبالنسبة إلى بعض من عانوا الصرع، كان ما يجري في الحلبة يحمل أملاً آخر، غريباً وقاسياً بمعايير اليوم: الاعتقاد بأن دم المصارع يمكن أن يكون علاجاً للمرض.

تبدو الفكرة وكأنها تفصيل كُتب لفيلم عن روما القديمة، لكنها تظهر بالفعل في مصادر طبية وتاريخية امتدت قروناً.

فقد أوضحت دراسة تاريخية نشرها الباحثان فرديناند بيتر موغ وأكسل كارينبرغ في «مجلة تاريخ علوم الأعصاب» إشارات قديمة إلى استخدام دم المصارعين في محاولات علاج المصابين بالصرع.

لكن الجانب الأكثر إثارة ربما لا يكمن في غرابة «العلاج» نفسه، إنما في سؤال آخر: كيف اقتنع الناس طوال كل هذه الفترة بأنه ينجح؟

قبل أن يعرف البشر شيئاً عن النشاط الكهربائي للدماغ، كانت نوبات الصرع من أكثر الظواهر استعصاء على التفسير، شخص يبدو في حال طبيعية، ثم يسقط فجأة وتبدأ النوبات، قبل أن يستعيد وعيه.

ومن دون المعرفة الطبية التي نمتلكها اليوم، فتح هذا المشهد الباب أمام تفسيرات تراوحت بين المرض والقوى الخارقة والمعتقدات.

ولم يكن الرومان أول من ربط الدم بمحاولات علاج الصرع، لكن التجربة الرومانية اكتسبت خصوصيتها عندما دخل دم المصارع تحديداً إلى الوصفة، وهنا تصبح الحكاية أكثر غرابة: لماذا المصارع؟

يرى الباحثان موغ وكارينبرغ أن جذور الاعتقاد بالقيمة العلاجية لدم المصارع ربما تمتد إلى طقوس جنائزية إتروسكانية سبقت روما، ومع مرور الزمن وتغيّر الخلفية الدينية لهذه الممارسات، بقي الاعتقاد بالقيمة الخاصة لدم المصارعين حياً.

فالمصارع لم يكن شخصية عادية في المخيلة الرومانية، فالقوة الجسدية والقتال والموت المحتمل في الحلبة أحاطت جسده برمزية استثنائية.

وبالنسبة إلى إنسان يبحث بيأس عن علاج لمرض غامض، لم يكن من الصعب في ذلك العالم أن يصبح دم هذا المقاتل مرتبطاً بفكرة القوة والحيوية، وهكذا وجد ما خرج من جسد المقاتل في الحلبة طريقه إلى ما كان يُعتقد أنه «دواء».

والأغرب أن الفكرة لم تبق مجرد معتقد شعبي يتناقله العامة، فبحلول نحو عام 40 ميلادي، ظهرت لدى الطبيب والموسوعي الروماني أولوس كورنيليوس سيلسوس في مؤلفه «في الطب» إشارة إلى أشخاص اعتقدوا أن تناول دم المصارع يساعد في التخلص من الصرع.

كما تناول بليني الأكبر الممارسة في كتاباته وانتقدها، ما يكشف أنها كانت معروفة بما يكفي لتجد طريقها إلى المؤلفات التي تناولت الطب والطبيعة.

ومع استمرار الاعتقاد، ظهرت عبر القرون أشكال مختلفة من هذه الممارسات، ووصل الأمر في مصادر لاحقة إلى الحديث عن قماش مشبع بالدم يُحرق، ثم تستخدم بقاياه ضمن وصفات مرتبطة بعلاج الصرع.

قد تبدو الفكرة اليوم عصية على التصديق، لكنها تكشف أن العلاج لا يحتاج بالضرورة إلى أن يكون فعالاً حتى يقتنع الناس بأنه نجح.

وهنا يقدم الباحثان موغ وكارينبرغ تفسيراً مهماً لاستمرار الاعتقاد، فالصرع ليس حالة واحدة تسير بالطريقة نفسها لدى جميع المرضى، وبعض أشكاله قد تتحسن أو تهدأ تلقائياً، وهذا يعني أن شخصاً كان يستطيع تجربة «علاج» ما، ثم تتحسن حالته لأسباب لا علاقة لها به.

وكان من المنطقي أن تختفي الوصفة مع اختفاء المصارعين أنفسهم، لكن تاريخها اتخذ منعطفاً أكثر غرابة، فعندما تراجعت ثم انتهت معارك المصارعين في العالم الروماني، لم يختف الاعتقاد بالقوة العلاجية للدم البشري معها.

وتشير الدراسة التاريخية إلى أن دم الأشخاص الذين أُعدموا، ولا سيما المحكوم عليهم بقطع الرأس، ظهر لاحقاً بديلاً لدم المصارعين في بعض الممارسات المرتبطة بعلاج الصرع. 

والأكثر إدهاشاً أن الاعتقاد لم يختف تماماً بانتهاء العالم القديم، فقد تتبعت دراسة موغ وكارينبرغ استمرار إشارات إلى استخدام الدم البشري في علاج الصرع خلال فترات تاريخية جاءت بعد روما بقرون، أي أن الوصفة التي ارتبطت ذات يوم بالمصارع في الحلبة أثبتت أنها أطول عمراً من الحلبة نفسها.

في جوهرها، هي قصة عن الخوف من مرض لا يفهمه الإنسان، واليأس من العثور على علاج، والطريقة التي يمكن بها للمصادفة أن تتحول إلى اعتقاد طبي يعيش قروناً.

كان الصرع مرضاً غامضاً ومخيفاً، وكانت المعرفة بأسبابه محدودة والعلاجات الفعالة نادرة، وفي تلك المساحة بين الخوف والأمل، كان من الممكن لوصفة تبدو لنا اليوم مستحيلة أن تبدو لشخص يعيش قبل ألفي عام فرصة تستحق التجربة.