في عالم تمتلئ طرقه بالكاميرات والرادارات والمخالفات الفورية، توجد منطقتان فقط تسمحان لك قانونيا بالقيادة بلا حد أقصى للسرعة، لكن الحرية هنا تأتي مع مسؤولية كبيرة ومخاطر واضحة.
أول هذه الأماكن هي جزيرة مان الصغيرة التي تقع في البحر الأيرلندي بين بريطانيا وأيرلندا، ويعيش فيها أقل من 85 ألف نسمة. رغم حجمها الصغير وطبيعتها الهادئة، تحمل الجزيرة مفاجأة مذهلة لعشاق السرعة، إذ لا يوجد حد عام للسرعة خارج المناطق السكنية. داخل المدن والقرى يكون الحد غالبًا 30 ميلًا في الساعة، أما بمجرد خروجك إلى الطرق المفتوحة والجبلية، يصبح الأمر بينك وبين سيارتك. يمكنك بلوغ سرعات مذهلة تصل إلى 180 ميلًا في الساعة دون أي خرق للقانون. هذه الحرية جعلت الجزيرة وجهة شهيرة لعشاق السيارات والدراجات النارية، خصوصا خلال سباق "توريست تروفي" السنوي الذي يُعد من أخطر سباقات العالم. ولكن الطرق هنا ليست حلبة سباق ملساء، فهي مليئة بالمنعطفات الحادة والارتفاعات التي تصل إلى 422 مترا، إضافة إلى الطقس المتقلب والأمطار شبه الدائمة. وكل هذا يجعل من القيادة على الجزيرة مغامرة محفوفة بالمخاطر، حيث يبلغ معدل حوادث السير فيها ضعف جيرانها على الرغم من تحسينه مقارنة بما كان عليه قبل ثلاثة عقود.
أما المكان الثاني فهو ألمانيا، الدولة التي قد تخطر في البال عند ذكر الانضباط والدقة، لكنها تشتهر عالميًا بشبكة "الأوتوبان"، التي تمتد عبر البلاد ولا يوجد حد سرعة ملزم في نحو 70% من مقاطعها. على عكس جزيرة مان، لا يتجاوز متوسط السرعة الفعلي على المقاطع غير المقيدة نحو 140 كيلومترا في الساعة، وهو أسرع من كثير من الدول، لكنه بعيد عن السرعات الجنونية التي قد يتخيلها البعض، وفقا لـ "iflscience".
السبب يعود إلى عوامل عملية مثل حركة المرور الكثيفة ووجود شاحنات تلتزم بحدود سرعة وأعمال صيانة مستمرة، إضافة إلى ثقافة قيادة صارمة جدا تجعل السائقين أكثر مسؤولية. الأوتوبان يُبنى بطبقات خرسانية متعددة، ويُفحص بانتظام لتحمل السرعات العالية، كما تفصل بين الاتجاهين حواجز ومساحات خضراء تمنع الاصطدامات المباشرة. الحصول على رخصة القيادة في ألمانيا عملية صعبة ومكلفة تشمل تدريبا مكثفا واختبارات دقيقة، ما يجعل السائقين أكثر انضباطا، وهو ما يفسر لماذا تظل هذه الطرق من الأكثر أمانًا على مستوى العالم مقارنة بدول تفرض حدود سرعة صارمة.
تجربة القيادة بلا حد أقصى للسرعة في هذين المكانين تبرز الفرق بين الحرية والمخاطرة. ففي جزيرة مان تتحول الحرية إلى اختبار شجاع ومغامرة محفوفة بالمخاطر على طرق ضيقة ومتعرجة، أما في ألمانيا، فتمتزج الحرية بنظام صارم وبنية تحتية متطورة وثقافة قيادة متقدمة تجعل التجربة أقل خطورة. إلغاء الحد الأقصى لا يعني غياب القوانين بالكامل، فهناك قواعد صارمة ضد القيادة المتهورة، والشرطة موجودة، لكن المسؤولية تنتقل بشكل أكبر إلى السائق نفسه.
في النهاية، السؤال الأهم ليس فقط أين يمكن القيادة بلا حدود، بل هل تمتلك الانضباط الكافي لتفعل ذلك بأمان؟ السرعة قد تمنحك الأدرينالين والحرية المطلقة، لكنها لا تمنحك فرصة ثانية. فكل دقيقة على الطريق بدون قيود هي تجربة مدهشة، لكنها تحتاج إلى حذر واحترام للسيارة وللطرق التي تقود عليها.
