في مشهد نادر أثار دهشة العلماء، وثّقت طائرات مسيّرة لقطات مذهلة لـحيتان العنبر وهي تنطح بعضها برؤوسها في سلوك غير مألوف، لم يُرصد من قبل بهذا الوضوح. هذا التفاعل الغريب، الذي تم تسجيله في عرض المحيط، فتح باب التساؤلات حول طبيعته هل هو صراع، أم نوع من اللعب، أم سلوك اجتماعي معقّد لم يُفهم بعد؟ وبينما يحاول الباحثون فك لغز هذه الظاهرة، يبدو أن عالم الحيتان لا يزال يخفي الكثير من الأسرار.
الدراسة التي قادها باحثون من جامعة سانت أندروز اعتمدت على لقطات التُقطت بواسطة طائرات مسيّرة في مناطق مثل جزر الأزور وجزر البليار، حيث أظهرت الحيتان وهي تسبح رأسًا على عقب لتصطدم ببعضها وجهاً لوجه، في مشاهد أثارت دهشة العلماء.
ورغم أن هذا السلوك تم الإبلاغ عنه بشكل غير رسمي منذ عصر صيد الحيتان في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، إلا أن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها توثيقه بالفيديو وتحليله علميا.
اللقطات كشفت عدة سيناريوهات، في أحدها، اصطدم حوتان متقاربان في الحجم مباشرة قبل أن يرتطم أحدهما بجسم الآخر. وفي حالة أخرى، شوهد حوتان يندفعان نحو حوت ثالث، حيث قام أحدهما بنطحه قرب الرأس. كما سُجلت مواجهات متكررة بين حوتين آخرين يُعتقد في سلوك بدا أشبه بصراع جسدي.
ورغم أن هذه التصرفات قد تبدو عدوانية، يرجّح الباحثون أنها ليست قتالًا حقيقيًا، بل شكل من "اللعب العنيف" بين الحيتان الصغيرة، خاصة الذكور، كجزء من استعدادها لمرحلة البلوغ والمنافسة على التزاوج. وتدعم التسجيلات الصوتية المصاحبة هذا التفسير، حيث تم رصد نقرات وأصوات اجتماعية معتادة بين الحيتان.
ويعتقد العلماء أيضًا أن هذا السلوك قد يكون مرتبطًا بمرحلة انتقالية في حياة الحيتان، عندما تبدأ الذكور الصغيرة بمغادرة مجموعاتها والدخول في حياة أكثر استقلالية، خصوصًا إذا كان التفاعل موجّهًا نحو الإناث، وفقا لـ "iflscience".
اللافت أن جميع هذه المشاهد تم تسجيلها خلال فترة قصيرة نسبيا، ما يشير إلى أن هذا السلوك قد يكون أكثر شيوعا مما كان يُعتقد، لكنه ظل بعيدًا عن الملاحظة بسبب صعوبة رصده من سطح البحر دون استخدام الطائرات المسيّرة.
وقعت جميع هذه المواجهات خلال عامين متتاليين، بعد فترة وجيزة من بدء استخدام الطائرات المسيّرة في العمل الميداني لأغراض أخرى. يشير هذا إلى أن سلوك النطح بالرأس قد يكون أكثر شيوعًا مما كان يُعتقد سابقًا، إلا أن صعوبة رصده دون استخدام الطائرات المسيّرة حالت دون توثيقه. ويتساءل الفريق أيضا عن السلوكيات الأخرى التي قد ترصدها الطائرات المسيّرة في المستقبل.
ويؤكد الباحثون أن هذه التكنولوجيا فتحت آفاقا جديدة لدراسة الحياة البحرية، حيث توفر زاوية رؤية لم تكن ممكنة من قبل، ما قد يكشف في المستقبل عن سلوكيات أخرى لا تزال مجهولة.
نُشرت نتائج الدراسة في مجلة علوم الثدييات البحرية، وسط اهتمام علمي متزايد لفهم هذا السلوك الغامض، الذي قد يضيف بُعدا جديدا لطبيعة التفاعل الاجتماعي لدى حيتان العنبر.
فيديو
