هل يدفن النعام رؤوسه في الرمال حقاً؟

نُشرت تقارير علمية وتاريخية حديثة تؤكد أن الاعتقاد السائد منذ قرون بأن النعام يدفن رأسه في الرمال عند الشعور بالخطر ليس سوى خرافة لا أساس لها من الصحة، رغم انتشارها الواسع في الثقافة الشعبية واستمرار استخدامها في التعبير المجازي الشهير "دفن الرأس في الرمال".

وبحسب ما ورد في دراسات علمية ومراجعات تاريخية، تعود جذور هذا الاعتقاد إلى نحو ألفي عام، وتحديدا إلى كتابات عالم الطبيعة الروماني بلينيوس الأكبر (Pliny the Elder)، المعروف باسم غايوس بلينيوس سيكوندوس، والذي أشار في كتابه "التاريخ الطبيعي" إلى أن النعام قد يُخفي رأسه في الشجيرات في محاولة للاختباء، وهو ما فُهم لاحقا بشكل خاطئ على أنه دفن للرأس في الرمال.

وجاء في إحدى الترجمات المنسوبة لنصه وصفٌ اعتبر أن النعامة، رغم ضخامة جسدها، قد تعتقد أنها تصبح غير مرئية بمجرد إخفاء رأسها ورقبتها داخل الشجيرات، وهو ما ساهم في ترسيخ فكرة غير دقيقة انتقلت عبر الأجيال.

لكن الدراسات الحديثة في علم سلوك الحيوانات تؤكد بشكل قاطع أن النعام لا يقوم مطلقا بدفن رأسه في الرمال، سواء عند الخطر أو في الظروف الطبيعية.

تفسير السلوك الذي أدى إلى انتشار الخرافة

يوضح العلماء أن هناك عدة سلوكيات طبيعية للنعام قد تُفهم بشكل خاطئ عند المراقبة من مسافة بعيدة، ما ساهم في ترسيخ هذه الصورة غير الصحيحة، أبرزها:

البحث عن الطعام:

يقضي النعام جزءا كبيرا من وقته ورأسه منخفض قرب الأرض أثناء الرعي والبحث عن الأعشاب وأحيانا الحشرات أو الحيوانات الصغيرة مثل الفئران والضفادع، ما قد يوحي من بعيد بأنه مدفون.

التكاثر وحماية البيض:

لا يبني النعام أعشاشا تقليدية، بل يقوم بحفر حفر ضحلة في الرمال أو التربة لوضع البيض.

ويتناوب الذكر والأنثى على تحريك البيض عدة مرات يوميا لضمان الحفاظ على درجة حرارته، وهي حركة قد تبدو من بعيد وكأن الرأس قريب جدا من الأرض أو مخفي.

سلوك التمويه:

في حالات الخطر، قد تستلقي النعامة بشكل مسطح على الأرض مع مد الرقبة بمحاذاة السطح لتقليل ظهورها، ما يعطي انطباعا خاطئا بأنها "تخفي نفسها".

كما قد تستخدم أجنحتها لإثارة الغبار بهدف تشتيت انتباه المفترس بعيدا عن الصغار.

آلية الدفاع الحقيقية للنعام

تشير البيانات البيولوجية إلى أن النعام يعتمد أساسا على السرعة العالية كوسيلة رئيسية للنجاة من المفترسات، حيث يمكنه الركض بسرعة تصل إلى نحو 70 كيلومترا في الساعة، ما يجعله أسرع الطيور على الإطلاق.

وفي حال عدم القدرة على الهروب، يمكن للنعام استخدام قوة بدنية كبيرة عبر ركلات قوية قد تكون قاتلة لبعض المفترسات الكبيرة مثل الأسود.

الخلاصة العلمية

تؤكد الأوساط العلمية أن النعام لا يدفن رأسه في الرمال تحت أي ظرف، وأن هذا الاعتقاد الشائع لا يعدو كونه سوء تفسير لسلوكيات طبيعية مثل البحث عن الطعام أو التمويه أو رعاية البيض.

وبذلك، تبقى عبارة "دفن الرأس في الرمال" تعبيرا مجازيا يعكس سلوك التجاهل أو الإنكار، وليس حقيقة بيولوجية مرتبطة بسلوك النعام.