انتشرت خلال السنوات الأخيرة على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع وصور تدّعي أن وضع عملة معدنية فوق جهاز الراوتر المنزلي يمكن أن يؤدي إلى تحسين سرعة الإنترنت وتقوية إشارة Wi-Fi، في خطوة يروج لها البعض باعتبارها حلاً سريعاً ومجانياً لمشكلات ضعف التغطية أو التقطيع المستمر أثناء الاستخدام، غير أن تقارير وتحليلات تقنية حديثة تؤكد أن هذا الادعاء لا يستند إلى أي أساس علمي، وأن تأثيره الفعلي، إن وُجد، يكون في الاتجاه السلبي لا الإيجابي.
وتوضح التقارير أن الفكرة المنتشرة تقوم على ثلاثة تفسيرات شائعة يتداولها المستخدمون، الأول يفترض أن العملة تعمل كعاكس سلبي لموجات الراديو بحيث تعيد توجيه الإشارة نحو الأجهزة داخل المنزل، بينما يقوم التفسير الثاني على اعتبارها وسيلة لتبديد الحرارة من الجهاز أثناء التشغيل، في حين يقر التفسير الثالث، وهو الأقرب للواقع بحسب الخبراء، بأنه لا يوجد أي تأثير تقني حقيقي، وأن وضع العملة لا يتجاوز كونه تصرفاً عشوائياً قد يضيف وزناً بسيطاً فقط يمنع الجهاز أحياناً من التحرك نتيجة شد الكابلات.
ويشير خبراء الشبكات إلى أن هذه التفسيرات لا تصمد أمام المبادئ العلمية المعتمدة في تصميم أنظمة الاتصالات اللاسلكية، إذ تعمل أجهزة الراوتر عبر نطاقين رئيسيين من الترددات هما 2.4 غيغاهرتز و5 غيغاهرتز، حيث يتميز الأول بمدى أوسع وقدرة أعلى على اختراق الجدران، بينما يوفر الثاني سرعات أعلى مع مدى أقصر وحساسية أكبر للعوائق.
ويؤكد المتخصصون أن تعديل نمط انتشار الإشارة يتطلب مكونات هوائية مصممة بدقة هندسية عالية تأخذ في الاعتبار الطول الموجي، والذي يُقاس بالسنتيمترات في شبكات Wi-Fi، إضافة إلى خصائص معقدة مثل المطابقة الكهربائية والاستقطاب والكسب الاتجاهي، وهي عناصر لا يمكن لقطعة معدنية عشوائية مثل عملة نقدية أن تؤثر فيها أو تحسنها.
ويؤكد التحليل أن الهوائيات ليست مجرد قطع معدنية توضع بالقرب من جهاز الإرسال، بل هي عناصر هندسية دقيقة تعمل ضمن دائرة إلكترونية متكاملة لتحويل الإشارات الكهربائية إلى موجات كهرومغناطيسية والعكس، وهو ما يجعل وضع جسم معدني غير مصمم هندسياً بالقرب منها غير ذي تأثير إيجابي على الأداء.
وفي المقابل، يحذر مختصون من أن وضع عملة معدنية فوق الراوتر قد يؤدي إلى نتائج عكسية، خصوصاً إذا تم تغطية فتحات التهوية الموجودة في الجهاز، إذ تعتمد أجهزة الراوتر على التبريد السلبي عبر فتحات تهوية مخصصة لتصريف الحرارة الناتجة عن المعالجات الداخلية ومضخمات الإشارة ووحدات تنظيم الطاقة.
وعند ارتفاع درجة الحرارة عن الحدود التشغيلية المحددة، قد يقوم الجهاز تلقائياً بتقليل قوة الإرسال أو خفض الأداء أو إعادة تشغيل وحدات الاتصال اللاسلكي بشكل مؤقت لحماية مكوناته الداخلية، وهو ما ينعكس على شكل بطء في الاتصال أو انقطاع متكرر في الخدمة.
كما يشير الخبراء إلى أن وجود المعدن بالقرب من الهوائيات قد يسبب تشتتاً غير منتظم في الموجات الكهرومغناطيسية، نظراً لأن المعادن تعكس الإشارات اللاسلكية وتؤثر على انتشارها داخل البيئة المغلقة، إلا أن تأثير عملة واحدة يبقى محدوداً ولا يصل عادة إلى درجة انهيار الشبكة، لكنه يظل جزءاً من ممارسات غير موصى بها في تصميم شبكات الاتصال المنزلية.
وتوضح التحليلات أن ما يفسر شعور بعض المستخدمين بتحسن مؤقت في الأداء بعد تجربة هذه "الخدعة" لا يرتبط بالعملة نفسها، بل يعود غالباً إلى عوامل طبيعية في تشغيل الشبكة، مثل انتقال الأجهزة إلى قنوات أقل ازدحاماً، أو تغير ضغط الاستخدام على الشبكة المحلية، أو إعادة توزيع الاتصال بين الأجهزة المتصلة، وهي ظواهر تحدث بشكل تلقائي دون تدخل المستخدم، ما يؤدي إلى خلط شائع بين الصدفة والسببية.
وفي السياق ذاته، تؤكد الدراسات التقنية أن أداء شبكات Wi-Fi المنزلية يتأثر بشكل مباشر بعوامل بيئية وبنيوية معروفة، تشمل موقع الراوتر داخل المنزل، والعوائق الفيزيائية مثل الجدران السميكة، والتداخل الكهرومغناطيسي الناتج عن بعض الأجهزة المنزلية، إضافة إلى المواد المستخدمة في البناء مثل الخرسانة المسلحة أو الجدران التي تحتوي على عناصر معدنية، والتي تعد من أكثر العوامل تأثيراً في إضعاف الإشارة، خصوصاً في نطاق 5 غيغاهرتز.
وتخلص التقارير إلى أن ما يعرف بخدعة وضع العملة على الراوتر لا يقدم أي تحسين تقني مثبت، بل قد يسبب تراجعاً في الأداء في بعض الحالات نتيجة التأثير على التهوية أو زيادة التداخل مع الإشارة، مؤكدة أن تحسين جودة الاتصال يعتمد أساساً على إعادة توزيع موقع الجهاز داخل المنزل وتحسين بيئة الإشارة وتقليل العوائق، وليس على حلول عشوائية يتم تداولها عبر الإنترنت دون سند علمي.
