سبقوا كولومبوس بقرون إلى أمريكا.. سر عمره ألف عام يعيد لغز "الفايكنج"

منذ أكثر من ألف عام، ترك حدث شمسي نادر أثراً خفياً داخل حلقات الأشجار، ولم يكن أحد يتوقع أن تصبح هذه البصمة الكونية مفتاحاً للإجابة عن سؤال تاريخي ظل يحير العلماء لعقود: من سبق كريستوفر كولومبوس إلى أمريكا الشمالية؟ فقد استخدم الباحثون ارتفاعاً مفاجئًا في الكربون-14 الناجم عن حدث كوني عام 993 ميلاديًا لتأريخ أخشاب عُثر عليها في مستوطنة الفايكنج بـ«لانس أو ميدوز» في نيوفاوندلاند، وحددوا وجودهم هناك عام 1021. لكن أبحاثًا أحدث أعادت التشكيك في مدى دقة هذه الطريقة، لتفتح الباب مجددًا أمام لغز قديم: هل كان وصول الفايكنج إلى أمريكا أقدم مما نعتقد؟

منذ اكتشاف مستوطنة الفايكنج في لانس أو ميدوز بنيوفاوندلاند عام 1960، عرف الباحثون أن الأوروبيين وصلوا إلى أمريكا الشمالية قبل كريستوفر كولومبوس بقرون، لكن تحديد السنة التي وصلوا فيها ظل أمرًا بالغ الصعوبة.

في البداية، قُدّر تاريخ المستوطنة بنحو عام 1000 ميلادي. ثم جاءت دراسة نشرت في مجلة Nature عام 2021، واستخدمت تقنية تعتمد على الكربون-14 المرتبط بالأشعة الكونية، لتحدد وجود الفايكنج في الموقع عام 1021 ميلاديًا.

انفجار شمسي ترك «بصمة» في الأشجار

يعتمد هذا الأسلوب على حدث كوني وقع عام 993 ميلاديًا، عندما تعرض الغلاف الجوي للأرض لتدفق قوي من الجسيمات عالية الطاقة القادمة من الفضاء، ما أدى إلى ارتفاع مفاجئ في إنتاج الكربون-14.

تمتص الأشجار هذا الكربون المشع، إلى جانب ثاني أكسيد الكربون، وتخزنه في حلقات نموها. وبذلك ترك الحدث الكوني علامة يمكن العثور عليها في الأشجار التي عاشت في ذلك الوقت حول العالم.

وعندما عثر الباحثون في لانس أو ميدوز على قطع خشبية تحمل آثار قطع بأدوات معدنية، استخدموا بصمة الكربون-14 لتحديد عمرها. فبعد تحديد الحلقة التي تشكلت عام 993 ميلاديًا، عدّوا حلقات النمو اللاحقة حتى الحلقة الخارجية، ليتمكنوا من تحديد السنة التي قُطعت فيها الأشجار.

وأظهرت ثلاث عينات خشبية من أنواع مختلفة من الأشجار الصنوبرية أن الفايكنج قطعوها عام 1021 ميلاديًا، لتصبح هذه العينات أقدم دليل مؤرخ بدقة على وجود الأوروبيين في الأمريكتين.

رغم قوة هذا الدليل، فإن أبحاثًا أحدث أعادت فتح باب النقاش. ففي مراجعة نُشرت عام 2026 في مجلة New Phytologist، حذر باحثون بقيادة إيمي إي. هيسل من جامعة ويست فرجينيا من أن الأشجار المختلفة قد لا تسجل الكربون-14 بالطريقة نفسها، ما قد يؤدي إلى اختلافات وتشويش في الإشارة التي يعتمد عليها الباحثون لتحديد التوقيت بدقة.

ويرى الباحثون أن أحداث مياكي، وهي الارتفاعات المفاجئة في الكربون-14 الناتجة عن أحداث كونية، تظهر في حلقات الأشجار بشكل متزامن إلى حد كبير، لكن الاختلاف بين العينات قد يحد من دقة استخدامها لتحديد توقيت وحجم إنتاج الكربون-14 في الماضي.

وهذا يعني أن عام 1021 يظل تاريخًا مهمًا ومدعومًا بالأدلة، لكنه قد لا يمثل بالضرورة أول لحظة وصل فيها الفايكنج إلى أمريكا الشمالية.

الفايكنج سبقوا كولومبوس بقرون

ما لا يبدو محل خلاف هو أن الفايكنج كانوا في نيوفاوندلاند قبل رحلة كولومبوس عبر الأطلسي عام 1492 بنحو أربعة قرون ونصف على الأقل، وقد يكونون وصلوا إلى أمريكا الشمالية قبل عام 1021 أيضًا، لكن الأدلة الخشبية التي عُثر عليها في لانس أو ميدوز لا تسمح حتى الآن بتحديد تاريخ أقدم بشكل قاطع.