نجح مرصد الختم الفلكي التابع لمركز الفلك الدولي، والكائن في صحراء أبوظبي، في توثيق صورة استثنائية لسديم كوكبي مميز، يعرف باسم «سديم ثعلب النار - Firefox Nebula»، وذلك بعد عمليات تصوير فلكي، تجاوزت 54 ساعة، أظهرت تفاصيل دقيقة في بنيته الغازية، وتراكيبه السماوية.
وجاءت تسمية السديم بهذا الاسم نتيجة هيئته البصرية، التي تشبه إلى حد كبير شعار متصفح الإنترنت الشهير «فايرفوكس»، إذ يظهر الجزء الأكثر سطوعاً منه على هيئة قوس غازي ملتف، تحيط به غازات أكثر خفوتاً، تكمل ملامح شكله المميز.
ويقع «سديم ثعلب النار» في مجموعة «ذات الكرسي»، على مسافة تقارب 2770 سنة ضوئية من الأرض، ويصنف ضمن السدم الكوكبية القديمة والمتطورة، ورغم تسميتها فإن السدم الكوكبية لا ترتبط بالكواكب، وإنما تمثل مرحلة متقدمة من دورة حياة النجوم ذات الكتل المنخفضة والمتوسطة، ومنها النجوم القريبة في كتلتها من الشمس.
وفي المراحل الأخيرة من حياة هذه النجوم تفقد طبقاتها الخارجية، التي تقذفها إلى الفضاء المحيط، بينما يبقى في مركزها قلب نجمي شديد السخونة، يتطور لاحقاً إلى قزم أبيض.
وقال المهندس محمد شوكت عودة، مدير مركز الفلك الدولي، إن الشكل غير المألوف لـ«سديم ثعلب النار» يعد من أبرز خصائصه، إذ لا يظهر في صورة حلقة منتظمة ومتجانسة كما هو الحال في العديد من السدم الكوكبية، بل يتميز بقوس شديد السطوع، وغني بالخيوط الغازية، يقابله جانب أكثر خفوتاً، فيما تمتد خلفه مادة غازية ضعيفة السطوع على هيئة ذيل طويل.
وأوضح أن هذا التكوين غير المتناظر يرتبط بحركة النجم المركزي والسديم عبر الغاز المنتشر في الوسط بين النجمي، إذ تصطدم المادة التي يقذفها النجم إلى الفضاء بالوسط بين النجمي في اتجاه حركته، ما يؤدي إلى انضغاط الغاز وارتفاع كثافته، ومن ثم تشكل القوس اللامع الذي يهيمن على المشهد، في حين تنجرف أجزاء من المادة في الاتجاه المعاكس، لتشكل منطقة أكثر خفوتاً وذيلاً غازياً ممتداً، فيما تشير نماذج حاسوبية درست البنية المميزة للسديم إلى أن سرعة حركة النجم بالنسبة إلى الوسط المحيط قد تبلغ نحو 125 كيلو متراً في الثانية.
وأظهرت الدراسات التفصيلية للسديم أن القوس اللامع الظاهر في الصورة لا يمثل كامل بنيته، إذ تمتد في الجهة المقابلة بنية قوسية خافتة تكمل حلقة السديم، يعقبها ذيل غازي واسع شديد الخفوت، وتمتد هذه التراكيب مجتمعة لنحو 15 دقيقة قوسية في السماء، فيما تشير إحدى الدراسات إلى أن عمر السديم يقدر بنحو 22 ألف سنة، كما تم تصوير «سديم ثعلب النار» باستخدام التلسكوب الرئيسي لمرصد الختم الفلكي، البالغ قطره 14 إنشاً، والمزود بكاميرا أحادية اللون، فيما تطلبت طبيعة السديم الخافتة ووجود التلوث الضوئي في منطقة الرصد استخدام ثلاثة مرشحات ضيقة النطاق لالتقاط انبعاثات ثلاثة عناصر رئيسية في الغاز، هي الهيدروجين والأكسجين والكبريت.
وتبرز في الصورة الانبعاثات الغازية بألوان مختلفة، إذ يظهر الهيدروجين باللون الأحمر، والأكسجين بالأزرق، فيما يظهر الكبريت باللون البرتقالي، ما يتيح تمييز توزيع هذه العناصر داخل السديم، وإظهار تفاصيل بنيته، بما في ذلك الخيوط الغازية والقوس اللامع، والتراكيب الخافتة المحيطة به. وتوفر الصورة بذلك رؤية أكثر تفصيلاً للبنية المعقدة لـ«سديم ثعلب النار»، وتوضح كيف أسهم التفاعل بين المادة التي قذفها النجم والوسط بين النجمي، إلى جانب حركة النجم عبر الفضاء، في تشكيل الهيئة غير المتناظرة، التي تميز هذا السديم.
مرصد الختم الفلكي ينجح في تصوير «سديم ثعلب النار»

