طحنوا مومياوات الفراعنة وتناولوها.. لماذا فعل الأوروبيون ذلك؟

في واحدة من أغرب صفحات تاريخ الطب، يعود استخدام المومياوات المصرية في العلاج إلى الواجهة، بعدما كشفت دراسة علمية حديثة عن تفاصيل كيميائية غير متوقعة في مستحضرات تاريخية صُنعت من بقايا المومياوات، ورصدت تأثيرا محدودا لأحد مستخلصاتها في حماية خلايا مخبرية من التلف الناتج عن فيروسات الإنفلونزا.

وتعيد النتائج تسليط الضوء على ممارسة طبية غريبة انتشرت في أوروبا لقرون، إذ اعتاد بعض الأطباء وصف مسحوق المومياوات المصرية لعلاج الجروح والكسور وأمراض أخرى، بينما كانت الصيدليات تبيعه في عبوات تحمل اسم "Mumia vera aegyptiaca"، الذي يعني "المومياء المصرية الحقيقية".

ومع تزايد الطلب على هذا المستحضر، تشير روايات تاريخية إلى أن بعض التجار لجأوا إلى تجفيف جثث حديثة وبيعها باعتبارها مومياوات أصلية، في محاولة لتلبية احتياجات السوق الأوروبية.

من القار الطبي إلى مسحوق المومياوات

وبحسب الدراسة، التي نُشرت في مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS) العلمية، تعود جذور هذه الممارسة إلى العصور الوسطى، عندما استخدم الأطباء مادة القار الطبيعي، وهي مادة تشبه القطران، اعتقادا منهم بامتلاكها خصائص علاجية.

ومع مرور الوقت، ارتبط اسم هذه المادة بالمومياوات المصرية، بعدما اعتقد الأوروبيون أن الأجساد المحنطة، التي اكتسبت لونا داكنا بفعل مواد التحنيط، تحتوي على مركبات مشابهة.

وبحلول عصر النهضة، تحولت المومياوات إلى أحد مكونات المستحضرات الطبية المتداولة في الصيدليات الأوروبية، رغم ظهور أصوات طبية معارضة لهذه الممارسة، من بينها الجرّاح الفرنسي أمبرواز باري، الذي حذّر في القرن السادس عشر من استخدام مسحوق المومياوات في العلاج.

بل إن تحليلا تاريخيا نُشر عام 2025 أشار إلى أن بعض هذه المستحضرات ربما لم تكن عديمة الفائدة فحسب، وإنما قد تكون تسببت في أضرار صحية للمرضى.

24 قطعة أثرية تكشف أسرارا كيميائية

وفي محاولة لفهم حقيقة هذه المستحضرات، فحص باحثون من جامعة ماربورغ الألمانية 41 نصا تاريخيا، وأجروا تحليلات كيميائية على 24 قطعة أثرية محفوظة في متاحف ومجموعات جامعية.

وشملت العينات مستحضرات صيدلانية قديمة، وبقايا مواد التحنيط، ولفائف المومياوات، وأجزاء من أجساد محنطة.

وأظهرت النتائج تنوعا ملحوظا في التركيب الكيميائي للعينات، مع رصد مؤشرات لوجود راتنجات قديمة مستخلصة من الأشجار الصنوبرية.

لكن المفاجأة الأبرز تمثلت في اكتشاف مركبات مرتبطة بنبات الصبّار، من بينها مركب يُعرف باسم "Aloeresin A"، تمكن الباحثون من تأكيد هويته باستخدام عينة مرجعية.

واكتسب الاكتشاف أهمية خاصة بعد العثور على هذه المركبات في جمجمة محنطة يعود تاريخها إلى نحو 2700 عام، وكذلك في مستحضر صيدلاني يرجع إلى القرن الثامن عشر.

ووفقا للباحثين، يمثل ذلك أول دليل جزيئي يربط بين نباتات الصبّار ومواد التحنيط المصرية القديمة.

وقالت تانيا بومرينينغ، أستاذة جامعة ماربورغ ورئيسة معهد تاريخ الصيدلة والطب بالجامعة، إن النتائج الجديدة تشير إلى أن العلاقة بين الصبّار ومستحضرات المومياوات ربما تمتد إلى جذور تاريخية أعمق مما كان معروفا.

ويؤكد الباحثون أن العثور على هذه المركبات في عينتين فقط لا يكفي لإثبات الاستخدام المنتظم للصبّار في عمليات التحنيط المصرية القديمة.

هل امتلك مسحوق المومياوات تأثيرا مضادا للإنفلونزا؟

ولم تتوقف الدراسة عند تحليل المكونات الكيميائية، بل امتدت إلى اختبار التأثير البيولوجي لأحد المستحضرات التاريخية.

واستخدم الباحثون مستخلصا من مستحضر "Mumia vera" محفوظا ضمن مجموعة ويغاند التاريخية للأدوية في جامعة ماربورغ، وأخضعوه لتجارب مخبرية على خلايا "MDCK"، وهي خلايا تُستخدم على نطاق واسع في أبحاث الإنفلونزا.

وأظهرت التجارب أن المستخلص وفر قدرا محدودا من الحماية لهذه الخلايا من التلف الناتج عن الإصابة بفيروسات الإنفلونزا.

وتكتسب النتيجة أهمية بحثية، خصوصا أن بعض الأطباء الأوروبيين في الماضي كانوا يصفون مستحضرات المومياوات لعلاج أعراض مثل السعال والتهاب الحلق والصداع.

لكن الباحثين شددوا على ضرورة عدم تفسير هذه النتيجة باعتبارها دليلا على امتلاك مسحوق المومياوات قدرة علاجية ضد الإنفلونزا.

فلا يزال السبب الكيميائي وراء التأثير المحدود غير معروف، وقد يرتبط بمركبات موجودة بكميات ضئيلة أو بتفاعلات بين عدة مكونات داخل المستحضر.

كما أن قدرة مادة ما على حماية الخلايا من التلف في المختبر لا تعني بالضرورة أنها تمنع الفيروس من التكاثر، ولا تثبت فعاليتها أو سلامتها لدى البشر.

أسرار طبية مدفونة منذ آلاف السنين

وتكشف الدراسة أن المستحضرات التي استخدمها الأوروبيون قديما لم تكن مجرد مسحوق من بقايا بشرية، بل احتوت بعض عيناتها على تركيبات كيميائية معقدة تضم راتنجات ومركبات نباتية تستحق مزيدا من البحث.

كما تضيف النتائج دليلا جديدا إلى الجهود العلمية الرامية إلى إعادة بناء وصفات التحنيط المصرية القديمة وفهم المواد التي استخدمها المصريون في حفظ أجساد موتاهم.

وبينما لا تمنح هذه النتائج أي أساس علمي لاستخدام المومياوات في العلاج، فإنها تفتح بابا جديدا لفهم التداخل التاريخي بين الطب القديم والكيمياء وعلوم التحنيط.