في ظاهرة استثمارية خالفت الأعراف المالية التقليدية وأثارت حالة من الذهول والتساؤلات في أوساط الأسواق المالية العالمية، شهدت أسعار الذهب تراجعاً ملحوظاً خلال تعاملات يوم الثلاثاء، متجاهلةً موجة عاتية من التصعيد الجيوسياسي والنزاعات المسلحة التي تجتاح الشرق الأوسط وتلقي بظلالها على أوروبا الشرقية.
ففي الوقت الذي تدور فيه حرب أمريكية-إسرائيلية على إيران دخلت شهرها السابع، وتتصاعد فيه تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة «بإبادة» الجمهورية الإسلامية ما لم تُبرم اتفاقاً عقب انتخابات التجديد النصفي، وبالتوازي مع تفاقم اضطرابات الملاحة البحرية عند مضيق هرمز ومحيط باب المندب وتواصل الهجمات المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا، كان المُفترض طبقاً للقواعد الاقتصادية الكلاسيكية أن يقفز الذهب بوصفه الملاذ الآمن الأبرز تحوطاً ضد مخاطر الحروب والتضخم. غير أن الشاشات سجلت العكس؛ إذ انخفض الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.3% ليصل إلى 4332.34 دولاراً للأونصة، وتراجعت العقود الأمريكية الآجلة للذهب بنفس النسبة إلى 4370.40 دولاراً للأونصة، ليواصل المعدن الأصفر مسار الانحدار بفقدانه أكثر من 22% من قيمته مقارنة بأعلى مستوى قياسي كان قد سجله عند 5594.82 دولاراً للأونصة في يناير الماضي.
تفكيك هذه المفارقة المعقدة يكمن في تغليب الأسواق لعامل «قوة السياسة النقدية وسعر الفائدة» على حساب «الخوف الجيوسياسي». فبحسب قراءة بارت ميليك، مدير استراتيجيات السلع الأولية في شركة «تي دي سيكيوريتيز»، فإن الأثر الحاسم الدافع لهبوط الذهب يرجع إلى أن الأسواق لا تزال تتوقع بقوة إقدام مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على مواصلة نهج نقدياً أكثر تشدداً ورفع أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، مدعوماً بقوة الدولار المتصاعدة؛ إذ إن ارتفاع الفائدة يقلل بشكل مباشر من الجاذبية الاستثمارية للمعدن الأصفر الذي لا يدر عائداً مقارنة بالسندات والأصول المالية المرتفعة العائد.
وما عزز هذا الانطباع هو تحركات الفيدرالي الأسبوع الماضي وتصريحات رئيسه كيفن وورش حول الحاجة لزيادات إضافية، إلى جانب ما أظهرته أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي» من أن تسعير المستثمرين لرفع الفائدة في ديسمبر قفز إلى 90% مقارنة بـ 80% قبل أسبوع واحد فقط، لمواجهة الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة جراء حرب إيران وقوة الطلب المحلّي.
وعلى صعيد التحليل الجيوسياسي والمالي، يرى الخبير الاقتصادي الدولي محمد العريان أن الأسواق باتت تسعر المخاطر الجيوسياسية وفق آلية «التكيف مع التهديدات»، مشيراً إلى أن جزءاً من الضغط الهبوطي على الذهب جاء بالتزامن مع التقاط أسواق النفط لأنفاسها وهبوط أسعار الخام إلى أدنى مستوياتها في أسبوعين.
وجاء هذا الانخفاض إثر تحسن توقعات الإمدادات بفضل إشارات إيرانية عن إمكانية إعادة فتح مضيق هرمز في غضون سبعة أيام إذا تم تخفيف الضغط العسكري والحصار، إلى جانب إعلان السعودية عن استعدادها لاستئناف الصادرات عبر ميناء ينبع وإعادة تشغيل خط أنابيب «شرق-غرب» للالتفاف على اضطرابات هرمز، فضلاً عن رفض واشنطن الانجرار المباشر للمعارك ضد الحوثيين في اليمن رغم تقدمهم نحو مرتفعات جبال كهبوب ومضيق باب المندب، وهو ما أضعف مؤقتاً العلاوة المخاطرية التي كانت تغذي تضخم السلع البديلة.
وفي إطار القراءة الاستراتيجية لخطاب واشنطن أمام الأمم المتحدة، يوضح المحلل السياسي الأمريكي ستيفن والت أن تهديدات ترامب المدوية بعزل إيران اقتصادياً أو إبادته لها ما لم يتم التوصل لاتفاق بعد انتخابات نوفمبر، خُلقت حالة من «الترقب الإيجابي» لدى صناديق الاستثمار بأن نقطة الانفراج قد تكون وشيكة عقب الاستحقاق الانتخابي الأمريكي.
وهذا الترقب، بالتوازي مع اللقاءات المرتقبة لترامب مع القادة الخليجيين لبحث المبادرة القطرية حول المنظومة الأمنية المشتركة، والاجتماع مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لبحث استقرار شحنات الحبوب والتوقف المتبادل عن استهداف المنشآت النفطية الروسية والأوكرانية، دفع كبار المستثمرين إلى جني الأرباح من الذهب وإعادة توجيه السيولة نحو أدوات الدين والدولار الأمريكي، مستغلين حالة الارتفاع الحاد في أسعار الفائدة الفيدرالية.
أثار هذا التراجع غير المتوقع للذهب أسطولاً من التفاعلات وردود الفعل المتفاوتة عبر كبريات وسائل الإعلام العالمية والأمريكية؛ حيث أشارت صحيفة «وول ستريت جورنال» إلى أن الذهب خسر معركته المؤقتة أمام جدار الفائدة المرتفعة، مؤكدة أن المستثمرين أظهروا استجابة أسرع لبوصلة السياسة النقدية الأمريكية ولغة الأرقام الصادرة عن الاحتياطي الفيدرالي مقارنة بالخطابات الجيوسياسية النارية من على منبر الأمم المتحدة.
ومن جانبها، كشفت شبكة «بلومبرغ» الاقتصادية أن ارتفاع أسعار الفائدة والضغوط التضخمية الناجمة عن أسعار الوقود العالمية وضعت الذهب في موضع «الأصل المكلف للحفظ»، ما دفع الصناديق الاستثمارية الكبرى لتفضيل عوائد السندات قصيرة الأجل وتهميش دور الذهب أداة تحوط تقليدية أثناء الحروب.
وفي المقابل، ركزت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية على تأثير تراجع شعبية ترامب إلى أدنى مستوياتها التاريخية عند 32% بحسب استطلاعات الرأي، موضحة أن الأسواق الماليّة باتت ترى أن ضغوط غلاء المعيشة والانتخابات الوشيكة ستجبر الإدارة الأمريكية على تغليب خيارات التهدئة وسرعة إنهاء صراع الشرق الأوسط، ما سحب القوة الدفعية من تحت أقدام الذهب.
بينما لفتت وكالة «رويترز» للأنباء إلى أن تراجع الذهب تزامن أيضاً مع تذبذب باقي المعادن النفيسة كالفضة التي هبطت بنسبة 0.4% إلى 65.76 دولاراً، في حين شهدت معادن صناعية أخرى كالبادنيوم والبلاتين ارتفاعات متواضعة، ما يعكس تحول التحوط المالي العالمي من نموذج «الهروب نحو الذهب» إلى نموذج «التداول القائم على سياسات البنوك المركزية ومستويات الفائدة المرتفعة».


