الذهب بين مطرقة الفيدرالي وسندان التوترات الجيوسياسية

  البنوك المركزية تعتبره خط الدفاع الأخير

يشهد سوق الذهب العالمي في الوقت الراهن حالة استثنائية من التذبذب الحاد والمعارك السعرية الخفية التي تتجلى في سلوك «هندسة السقوط» واصطياد أوامر وقف الخسارة، حيث يعاند المعدن الأصفر أحياناً التوقعات التقليدية ليصعد بشكل وهمي متجاوزاً حاجز 4200 دولار قبل أن يتراجع مجدداً دون مستويات الأربعة آلاف دولار للأونصة، في مسرحية تعكس صراعاً محتدماً بين صناع السوق والمتداولين الأفراد.

ولا ينفصل هذا الأداء المتأرجح عن المشهد الجيوسياسي والاقتصادي المعقد الذي يسيطر على الأسواق العالمية، إذ تتداخل التوترات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط على وقع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، والتهديدات المتبادلة بشأن إغلاق مضيق هرمز ومضيق باب المندب، مع الهجمات المستمرة التي تستهدف البنى التحتية للطاقة، وأحدثها قصف منشآت أرامكو، ما دفع بأسعار النفط وخام برنت للتحليق قرب مستويات 115 دولاراً للبرميل.

هذا الارتفاع الجنوني في أسعار الطاقة والديزل أشعل بدوره مخاوف التضخم المستورد في الاقتصادات المتقدمة، وأجبر البنوك المركزية على تبني مسار نقدي متشدد وإبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، الأمر الذي ضغط بقوة على أسعار الذهب والفضة والبلاتين، ودفعه لتسجيل خسائر للأسبوع الثاني على التوالي ملامساً أدنى مستوياته في أكثر من ثلاثة أشهر عند 3986.50 دولاراً قبل أن يتعافى طفيفاً قرب 4030 دولاراً.

وفي خضم هذه العاصفة، تواجه الأسواق المالية ضغوطاً هيكلية موازية تتمثل في أزمة أسواق السندات العالمية وتضخم الدين العالمي إلى مستويات فلكية تتجاوز 365 تريليون دولار، تزامناً مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة وسط تراجع حظوظ الحزب الجمهوري وسياسات ترامب المثيرة للجدل، فضلاً عن الأزمات السياسية والمالية الطاحنة في أوروبا والاحتجاجات العارمة في فرنسا على خلفية تكلفة المعيشة وتآكل القدرة الشرائية.

وعلى الرغم من هذه الضغوط قصيرة الأجل الناتجة عن قوة الدولار وعوائد سندات الخزانة المرتفعة، إلا أن تقارير مجلس الذهب العالمي تؤكد أن الطلب الاستراتيجي طويل الأجل للمعدن الأصفر يظل مدعوماً بقوة من عمليات الشراء الهائلة والقياسية التي تقوم بها البنوك المركزية العالمية، والتي تسعى من خلالها للتحوط ضد مخاطر النظام المالي المتهالك وأزمة الديون السيادية والتوترات الجيوسياسية المستمرة، وهو ما يتقاطع مع تحليلات بنك «غولدمان ساكس» التي تشير إلى أن الذهب يظل الملاذ الآمن الأبرز في مواجهة حالة عدم اليقين الهيكلي، رغم ما يمر به من عمليات جني أرباح وتصحيح سعري مؤقت تقوده قوى السوق الكبرى.

وفي سياق آراء الخبراء حول مستقبل المعدن النفيس، يرى ديفيد ميركل، كبير استراتيجيي الأسواق العالمية في بنك «جيه بي مورغان»، أن الذهب يعيش مرحلة انتقالية دقيقة يتقاطع فيها الصراع بين التضخم المدفوع بأسعار الطاقة وبين سياسات الفيدرالي الأمريكي، مشيراً إلى أن أي تصعيد عسكري جديد في الشرق الأوسط سيكون كفيلاً بدفع الأسعار لتجاوز ذروتها السابقة رغم ضغوط الفائدة.

ومن جانبها، توضح الدكتورة سارة كوهين، المحللة الاقتصادية بمؤسسة «موديز»، أن البنوك المركزية باتت تنظر إلى الذهب باعتباره خط الدفاع الأخير ضد مخاطر انهيار العملات الإلزامية وتفاقم أزمة الديون العالمية، ما يضمن وجود أرضية سعرية صلبة تمنع أي تراجع جذري طويل الأمد.

وفي السياق ذاته، يؤكد مارك موبيوس، الخبير الاقتصادي والمستثمر العالمي البارز، أن التحوط بالمعدن الأصفر أصبح ضرورة حتمية للمحافظ الاستثمارية في ظل الحروب التجارية والسياسات الحمائية التي يتبناها ترامب، والتي تهز ثقة المستثمرين في الأصول التقليدية.

وتتفاعل وسائل الإعلام العالمية بشكل مكثف مع هذه التطورات المركبة، حيث أشارت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية إلى أن الذهب يواجه اختباراً قاسياً بين جاذبيته كملاذ آمن وسط شبح الحرب الإيرانية وضغوط السياسة النقدية المتشددة للفيدرالي الأمريكي.

وبدورها، ركزت شبكة «بلومبرغ» الأمريكية على الدور المحوري الذي تؤديه البنوك المركزية في امتصاص الصدمات السعرية للذهب عبر عمليات الشراء المستمرة التي تصنع دعماً خفياً للأسعار في وجه موجات البيع المضاربي.

ومن جانبها، لفتت صحيفة «وول ستريت جورنال» إلى أن ارتفاع أسعار النفط والديزل يعيد تشكيل أولويات المستثمرين، ما يجعل الذهب مرآة عاكسة لحالة الهلع الجيوسياسي والاقتصادي العالمي.

وأوضحت وكالة «رويترز» أن اضطرابات أسواق السندات وتهاوي ثقة الأسواق في قدرة الحكومات على كبح الديون يمنحان المعدن النفيس زخماً بعيد المدى، رغم التذبذبات اليومية العنيفة وهندسة السقوط التي يمارسها صناع السوق لإرباك المتداولين الأفراد. وبهذا يظل الذهب محاصراً بين مطرقة السياسة النقدية وسندان المخاطر الجيوسياسية، معلقاً على خيوط دقيقة من التوازنات الدولية التي ستحدد وجهته الكبرى مع إسدال الستار على استحقاقات عام 2026.