السلع الأساسية في الإمارات..أسواق مرنة ومحصنة ضد الأزمات

أظهرت أسواق الإمارات قدرة ملحوظة في الحفاظ على استقرار إمدادات السلع الغذائية الأساسية، رغم التوترات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة وما رافقها من تحديات أمام حركة الشحن وسلاسل الإمداد العالمية.

إلا أنه لوحظ وجود بعض السلع التي شهدت في الوقت نفسه زيادة في الأسعار وصلت إلى الضعف وخاصة السلع الطازجة.

المؤشرات الرسمية تؤكد أن وفرة السلع وتنوع مصادر الاستيراد، إلى جانب الإجراءات الحكومية الاستباقية، أسهمت في الحد من انعكاس الاضطرابات الخارجية على السوق المحلية.

وأكد معالي عبدالله بن طوق المري، وزير الاقتصاد والسياحة، في تصريحات سابقة، أن دولة الإمارات، بتوجيهات القيادة الرشيدة، تواصل ترسيخ مكانتها مركزاً إقليمياً متقدماً للأنشطة الاقتصادية في مجال الغذاء.

حيث تمتلك بنية تحتية متكاملة تقوم على أفضل الممارسات العالمية، والتكنولوجيا الحديثة، وسلاسل الإمداد المرنة، وتسهم هذه المقومات المتميزة بشكل فعّال في ضمان استدامة تدفق السلع الغذائية وتوافرها بكميات وفيرة في أسواق الدولة.

وقال لـ«البيان»: في دولة الإمارات نأخذ موضوع الأمن الغذائي على محمل الجد، وذلك استجابة لتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله.

فمنذ نحو 13 سنة بدأنا باستراتيجية الأمن الغذائي وتم وضع برامج وقوانين لها تنظم المخزون الاستراتيجي من الغذاء. ووزارة الاقتصاد والسياحة منوطة بالمخزون الاستراتيجي في القطاع الخاص وآليات إدارته.

وهذا الإجراء اليوم هدفه الاستعداد لأي أزمات قبل حدوثها. لذلك تقوم دولة الإمارات دائماً بوضع خطط مسبقة فيما يتعلق بملف الأمن الغذائي وكانت هذه الخطة موضوعة عقود من الزمن، مؤكداً أن الإمارات تمتلك جاهزية عالية لضمان توفير السلع الأساسية دون انقطاع.

جمارك دبي

وبرز دور جمارك دبي في تسهيل دخول السلع الأساسية وضمان استمرار تدفقها إلى الأسواق. فقد أطلقت «الممر الأخضر» مع تصاعد المتغيرات الجيوسياسية، بهدف توفير مسارات بديلة للتجارة والحفاظ على انسيابية وصول البضائع.

وتعكس تصريحات أعضاء مجموعة عمل تجار الخضار والفواكه تحت مظلة غرفة تجارة دبي رؤية إيجابية تجاه وضع السوق. فقد أكد التجار أن البنية التحتية القوية، وكفاءة شبكات النقل والتخزين، وتعدد مصادر التوريد ومسارات الشحن، ساعدت على الحفاظ على وفرة المنتجات واستقرار الإمدادات والأسعار رغم التحديات الدولية.

لكنهم أوضحوا أن تكاليف شحن الحاويات المبردة ارتفعت بصورة ملحوظة، الأمر الذي وضع ضغوطاً كبيرة على الموردين، حتى أن بعضهم اضطروا في بعض الحالات إلى البيع بخسائر أو إتلاف جزء من البضائع نتيجة التأخير الطويل في وصول الشحنات.

وأظهر رصد أسعار السلع الغذائية الأكثر طلباً في الأسواق، وفق بيانات منصة السلع الرسمية وقوائم الأسعار بمنافذ البيع ومؤشرات لقياس كلفة المعيشة، تبايناً ملحوظاً على صعيد حركة الأسعار السائدة حالياً مقابل المقارنة بمستويات الأسعار التي سجلتها نفس السلع مع بداية العام الجاري.

وبينت الأسعار وجود تغير واضح وزيادات رئيسية على صعيد السلع الطازجة وتشمل الخضراوات والفواكه واللحوم والأسماك بزيادات وصلت في بعض الأصناف إلى الضعف.

حيث ظلت تلك السلع خارج نطاق الرصد اليومي لمنصة السلع الرسمية التابعة لوزارة الاقتصاد والسياحة، والمحدثة بشكل مستمر والتي ضمت بالمقابل 9 مجموعات أساسية لم تختلف الأسعار الأدنى بها ضمن رقابة شديدة من الوزارة.

حيث ظلت معظمها مماثلة تقريباً لنفس المستويات التي كانت عليها مع بداية العام، بينما شملت سلع تراجعات طفيفة وأخرى زيادات سعرية وفق أحدث مستوياتها المرصودة في منافذ البيع المحلية.

وشملت السلع التسعة التي ضمتها منصة الرصد اليومي أصناف الأرز الذي استقر السعر الأدنى للكيلو منه حالياً عند نفس معدل السعر الأدنى المسجل مع بداية العام عند 4.2 دراهم للكيلو الواحد، وأيضاً سجل كيلو الدجاج سعراً أدنى ثابتاً دون 11 درهماً ما بين الفترتين.

فيما يبدأ سعر زيت الطعام حالياً وفق بيانات المنصة من 5 دراهم للعبوة 1.7 أو 1.8 لتر، وجاء السعر منخفضاً بحوالي 2 درهم عن الحد الأدنى للسعر السائد على نفس العبوة في الشهور الأولى من العام والبالغ 7 دراهم كسعر أدنى لنفس العبوة.

وتحرك السعر الأدنى للكيلو من السكر في بعض المنافذ المسجلة ضمن بيانات المنصة إلى 2.25 للكيلو مقارنة بسعر أدنى 2.5 درهم للكيلو كسعر سائد مع بداية العام.

فيما استقر السعر الأدنى للكيلو من الدقيق الأبيض عند سعر يبدأ من 2.2 درهم وهو أقل من السعر الأدنى السائد في بداية العام ويبلغ 2.5 درهم للكيلو.

وظلت الألبان عند سعر يبدأ من 3.75 دراهم للتر الواحد، بينما استقر بيض المائدة عن سعر أدنى 0.27 درهم للحبة الواحدة وفق بيانات المنصة، وهو ما يظهر تقلصاً عن سعر أدنى سائد كان يبلغ 0.4 درهم للحبة الواحدة مع بداية العام.

وشملت الارتفاعات السعرية عن مستوياتها السابقة البقوليات التي تحركت إلى سعر أدنى استقر فوق 3.8 دراهم للكيلو مقارنة بسعر دون 3 دراهم مع بداية العام كما ارتفع سعر شرائح الخبز من حد أدنى 4 دراهم للعبوة إلى سعر أدنى يتجاوز 6 دراهم.

في مقابل ذلك أظهرت قوائم الأسعار السائدة في منافذ البيع المحلية إلى جانب بعض البيانات المرصودة من مؤشرات مختصة بأسعار السلع كمؤشر «expatistan» لقياس كلفة المعيشة وجود زيادات كبيرة في أصناف رئيسية أكثر طلباً من الخضراوات والفواكه بأسواق الإمارات حالياً عن مستويات الأسعار التي سجلت على نفس السلع مع بداية العام.

وشهدت الخضراوات الزيادة الأكبر، فعلى صعيد الخضراوات ارتفع الحد الأدنى لسعر الكيلو من الطماطم من 3 دراهم إلى 6 دراهم وعلى غراره الكيلو من البطاطس من حد أدنى درهمين إلى ما يتجاوز 4 دراهم والكيلو من الفلفل الأخضر من متوسط 6 دراهم إلى متوسط 10 دراهم.

كما ارتفع سعر البصل إلى حد أدنى 3 دراهم مقارنة بسعر سابق بدأ من درهمين. بينما على صعيد الفواكه الأكثر طلباً ارتفع متوسط سعر الكيلو من التفاح من 6 دراهم إلى 9 دراهم.

والكيلو من الموز من متوسط 5 دراهم إلى 7 دراهم. أما على صعيد اللحوم فقد ارتفع الحد الأدنى لسعر لكيلو من اللحوم الحمراء مع العظم وفق النوعية والمنشأ من سعر أدنى دار حول 20 درهماً مع بداية العام إلى ما يتجاوز 25 درهماً، وارتفعت أصناف من اللحم الصافي من سعر أدنى 25 درهماً إلى ما يتجاوز 30 درهماً.

بينما على صعيد أسعار الأسماك، فقد ارتفعت أسعار بعض الأصناف متوسطة الثمن من سعر بداية كان دون 10 دراهم للكيلو مع بداية العام الجاري إلى مستويات أسعار أدنى ما بين 14 وحتى 20 درهماً باختلاف تلك الأصناف ومصادر المنشأ ومنافذ البيع.

قدرة عالية

من جهتها، أثبتت جمارك دبي خلال الأزمة الأخيرة قدرة عالية على إدارة حركة التجارة وضمان استمرار تدفق السلع الأساسية إلى دولة الإمارات ودبي، رغم التحديات التي فرضتها المتغيرات الجيوسياسية وتعطل بعض خطوط الشحن البحري، فقد تعاملت مع الأزمة بمنهج استباقي اعتمد على المرونة وسرعة الاستجابة.

عبر تطبيق حزمة من الإجراءات التشغيلية والجمركية التي هدفت إلى تقليل أثر اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية على الأسواق المحلية.

ومن أبرز هذه الإجراءات إطلاق «الممر الأخضر»، الذي وفر مساراً سريعاً وآمناً للشحنات ذات الأولوية، وعلى رأسها المواد الغذائية والأدوية والسلع الأساسية، الأمر الذي أسهم في تقليص زمن التخليص الجمركي وضمان وصول هذه السلع إلى الأسواق دون تأخير.

كما فعلت جمارك دبي مبادرة «شاحن» لتسهيل حركة البضائع وتعزيز مرونة عمليات النقل، إلى جانب تحويل مسارات الشحن إلى موانئ بديلة مثل خورفكان والفجيرة، ومن ثم نقلها براً إلى دبي تحت نظام الضمان الجمركي، وهو ما خفف من آثار تعطل بعض المسارات البحرية.

وعززت جمارك دبي عملياتها التشغيلية داخل المنافذ الجمركية من خلال زيادة فرق التفتيش، وإضافة نوافذ جديدة للتخليص، والعمل على مدار الساعة لضمان سرعة إنجاز المعاملات وعدم تأثر حركة التجارة.

كما لعب التعاون الاستراتيجي مع «الإمارات للشحن الجوي» دوراً محورياً في تعويض جزء كبير من التحديات التي واجهت النقل البحري.

حيث ضمنت هذه الشراكة استمرار تدفق البضائع عبر قرية الشحن في مطار دبي الدولي ومركز الشحن الجوي في مطار آل مكتوم الدولي، بما أسهم في المحافظة على انسيابية الإمدادات للأسواق المحلية والإقليمية وبخاصة السلع الغذائية.

وتؤكد المؤشرات التشغيلية نجاح هذه الجهود، إذ ارتفعت كمية البضائع التي تم تخليصها جمركياً من نحو 26.6 مليون كيلوغرام في يناير 2026 إلى أكثر من 48.2 مليون كيلوغرام في مايو من العام نفسه، بنسبة نمو تجاوزت 82 %.

كما ارتفعت الطاقة التشغيلية اليومية بشكل ملحوظ، وهو ما يعكس كفاءة المنظومة الجمركية وقدرتها على استيعاب الزيادة الكبيرة في حجم الواردات دون التأثير في سرعة الإنجاز أو جودة الخدمات.

وبذلك، نجحت جمارك دبي في تحويل الأزمة إلى فرصة لتعزيز مكانة الإمارة مركزاً إقليمياً وعالمياً للتجارة والخدمات اللوجستية.

مخزون استراتيجي

وحول أماكن التخزين والمخزون الاستراتيجي وكيف أسهمت في توفير السلع خلال الأزمة، أكد مديرو شركات تعمل في القطاع الغذائي أن البنية اللوجستية المتطورة التي تمتلكها دبي، بما تضمه من مرافق تخزين متقدمة ومناطق مناولة واسعة، إلى جانب منظومة المخزون الاستراتيجي، أسهمت في الحفاظ على استقرار الأسواق وضمان استمرار توافر السلع الأساسية خلال الأزمة، فعلى الرغم من التحديات التي واجهت حركة النقل البحري، تمكنت الجهات المعنية.

وفي مقدمتها جمارك دبي، من رفع الطاقة الاستيعابية لمرافق الشحن والتخزين من خلال توسيع مساحات المناولة، والاستفادة من المساحات المتاحة في قرية الشحن بمطار دبي الدولي ومركز الشحن الجوي في مطار آل مكتوم، بما أتاح استقبال كميات أكبر من البضائع وتسريع تداولها.

وأضافوا أن الإجراءات التشغيلية، والتي شملت تعزيز عمليات التفتيش الجمركي، أسهمت في تقليل زمن بقاء الشحنات داخل المنافذ الجمركية، الأمر الذي ساعد على انتقال السلع بسرعة إلى المستودعات والأسواق.

ومنع حدوث أي اختناقات في عمليات التوزيع، وإلى جانب ذلك، أسهم الاعتماد على مسارات بديلة للنقل، سواء عبر الجو أو من خلال الموانئ البديلة والنقل البري، في ضمان استمرار تدفق السلع الأساسية.

ولا سيما المواد الغذائية والأدوية، بما عزز مستويات الأمن الغذائي والدوائي في الدولة ودول مجلس التعاون الخليجي.

وقالوا إن هذه الإجراءات انعكست بشكل مباشر على استقرار الأسواق، حيث حافظت على وفرة السلع الأساسية ومنعت حدوث نقص في المعروض رغم الظروف الإقليمية الصعبة.

كما ساعدت في الحد من التأخير في وصول الشحنات، والحفاظ على كفاءة سلاسل الإمداد، وتعزيز ثقة مجتمع الأعمال بقدرة دبي على إدارة الأزمات بكفاءة عالية،.

ويؤكد ذلك نجاح الإمارة في ترسيخ نموذج اقتصادي ولوجستي مرن يعتمد على التخطيط الاستباقي، وتكامل الأدوار بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص، والاستثمار في البنية التحتية والمخزون الاستراتيجي، بما يضمن استمرارية حركة التجارة وتقليل تأثير الأزمات على الأسواق المحلية.

أمن اقتصادي واجتماعي

وقال مديرو الشركات لـ«البيان»، إن استقرار أسعار السلع الأساسية يعد أحد المكونات الرئيسية للأمن الاقتصادي والاجتماعي.

وتزداد أهمية إدارة الأسعار في فترات الأزمات، مثل اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، والأزمات الجيوسياسية، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، والكوارث الطبيعية، والأوبئة.

وفي مثل هذه الظروف، لا يتمثل التحدي في منع ارتفاع الأسعار بصورة مطلقة، وإنما في منع الارتفاعات غير المبررة والمضاربات والاحتكار، مع ضمان استمرار تدفق السلع إلى الأسواق.

وأضافوا أن دولة الإمارات طورت إطاراً متقدماً لحماية المستهلك وتنظيم أسعار السلع الأساسية، ومن أبرز الإجراءات الحالية سياسة مراقبة أسعار فئات السلع الأساسية والتي تشمل: زيت الطهي، والبيض، والألبان، والأرز، والسكر، والدواجن، والبقوليات، والخبز، والقمح.

إضافة إلى بعض المنتجات المرتبطة بها والمنظفات المنزلية. ولا يجوز رفع أسعار هذه السلع إلا وفق الضوابط والموافقات المقررة. كما تتضمن السياسة مراقبة حركة الأسعار والتنسيق بين وزارة الاقتصاد والسياحة، والجهات المحلية، مع وضع ضوابط زمنية للزيادات.

مقترحات

واقترح مديرو الشركات مجموعة من التوصيات التي تستهدف تعزيز استقرار الأسعار في أوقات الأزمات، ومنها: تعزيز المخزون الاستراتيجي للسلع الأساسية.

حيث ينبغي الاستمرار في بناء مخزونات استراتيجية كافية من السلع الغذائية الأكثر أهمية، مع تحديد حد أدنى آمن للمخزون لكل سلعة وفق معدلات الاستهلاك وعدد السكان وطبيعة المخاطر المحتملة. ولا يكفي وجود المخزون؛ بل يجب وضع نظام دوري لتدويره حتى لا تتعرض المنتجات للتلف.

ويُفضّل أن تكون المخزونات موزعة جغرافياً بين إمارات الدولة، وأن تشمل منتجات طويلة الأجل إلى جانب السلع التي تحتاج إلى سلاسل تبريد.

حيث يسهم ذلك في منع حدوث نقص مفاجئ يؤدي إلى ارتفاع الأسعار عند تعطل الاستيراد أو النقل. كما اقترحوا تنويع مصادر الاستيراد وسلاسل التوريد، حيث يمثل الاعتماد المفرط على دولة أو منطقة واحدة مصدراً مهماً للمخاطر.

ولذلك ينبغي تنويع الدول الموردة وموانئ الاستيراد وشركات النقل، بحيث لا يؤدي حدوث أزمة في منطقة معينة إلى انقطاع إمدادات سلعة أساسية في السوق الإماراتية.

كما ينبغي تشجيع الموردين على إعداد خطط بديلة مسبقة، وتطوير ممرات تجارية ولوجستية احتياطية يمكن تفعيلها سريعاً أثناء الأزمات.

واقترح مديرو الشركات إنشاء نظام إنذار مبكر للأسعار والإمدادات، حيث تحتاج الدولة إلى منظومة رقمية متكاملة تراقب بصورة شبه فورية أسعار السلع وكميات المخزون وتكاليف النقل وأسعار المواد الأولية العالمية.

ويمكن استخدام تقنيات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي لاكتشاف المؤشرات المبكرة لنقص سلعة أو ارتفاع غير طبيعي في سعرها.

وتملك وزارة الاقتصاد والسياحة، بالفعل قاعدة معلومات وقوائم لأسعار السلع الأساسية، وتعمل على تحديثها ومتابعة تغيرات الأسعار من خلال سلال ثابتة من السلع.

ويمكن تطوير هذه المنظومة إلى نظام تنبؤي يحدد مستوى الخطر قبل وصوله إلى المستهلك. وأوصوا كذلك بتطبيق رقابة مرنة على الأسعار بدلاً من التجميد الشامل.

حيث أن تجميد جميع الأسعار لفترات طويلة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مثل تقليل حوافز الاستيراد أو الإنتاج أو ظهور نقص في بعض المنتجات.

لذلك ينبغي أن تتركز الرقابة على السلع الضرورية، مع السماح بتعديل الأسعار عندما تثبت زيادة حقيقية في التكاليف.

وقالوا إن النظام الإماراتي الحالي يعد نموذجاً لهذا النهج؛ إذ يشترط الحصول على موافقة مسبقة لزيادة أسعار السلع الأساسية المحددة، مع دراسة طلبات الزيادة ومراقبة حركة الأسعار.

كما ينص القرار الوزاري رقم 246 لسنة 2024 على فترة لا تقل عن ستة أشهر بين الزيادات المتتالية، وفق الشروط والمبررات المحددة.

واقترحوا كذلك ضرورة تشديد مكافحة الاحتكار والمضاربة، ففي أوقات الأزمات قد يستغل بعض المتعاملين حالة القلق لرفع الأسعار أو تخزين السلع بهدف إعادة بيعها بأسعار أعلى.

لذلك يجب تعزيز التفتيش والرقابة على الموردين والموزعين وتجار التجزئة، خصوصاً في السلع ذات الطلب المرتفع.

وينبغي أن تكون العقوبات رادعة وسريعة، بالتوازي مع حماية المنافسة ومنع الاتفاقات التي تؤدي إلى التحكم المصطنع في الأسعار أو الكميات.

ويجب أن تستند الرقابة إلى بيانات السوق لا إلى الاشتباه وحده. وأكدوا كذلك على أهمية دعم المنافسة وتعدد الموردين وتجار التجزئة، فكلما زاد عدد الموردين وتجار التجزئة القادرين على الوصول إلى السوق، تقل احتمالات سيطرة جهة واحدة على سلعة أساسية.

لذلك ينبغي تسهيل دخول موردين جدد، وتبسيط الإجراءات في حالات الطوارئ دون الإخلال بمعايير السلامة والجودة. كما ينبغي تجنب السياسات التي تؤدي إلى الاعتماد المفرط على عدد محدود من الموردين، وتشجيع المنافسة بين المتاجر التقليدية والمنصات الرقمية.

وشددوا على ضرورة زيادة شفافية الأسعار أمام المستهلك، حيث أن الشفافية تساعد المستهلك على المقارنة وتقلل قدرة بعض التجار على استغلال نقص المعلومات.

ومن المهم إلزام منافذ البيع بإظهار الأسعار بصورة واضحة، بما في ذلك سعر الوحدة، وليس فقط سعر العبوة.

وقد تبنت الإمارات بالفعل قراراً بشأن سعر الوحدة لبعض السلع الاستهلاكية بهدف تعزيز الشفافية وتمكين المستهلك من المقارنة بين المنتجات بصورة أفضل.

كما ينبغي توفير منصات إلكترونية رسمية تعرض متوسطات أسعار السلع الأساسية، بحيث يستطيع المستهلك معرفة السعر المعتاد واكتشاف الزيادات غير الطبيعية.

وأكدوا أهمية تقديم دعم مؤقت وموجه عند الضرورة، فعندما تؤدي أزمة عالمية إلى ارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد، يمكن للدولة التدخل من خلال دعم مؤقت وموجه لبعض السلع أو الفئات الأكثر تأثراً، بدلاً من تقديم دعم شامل ومكلف لجميع المنتجات.

ويمكن استخدام أدوات مثل تخفيض بعض الرسوم أو تكاليف الاستيراد، أو تقديم حوافز مؤقتة للموردين الذين يحافظون على استمرارية الإمدادات بأسعار مستقرة.

وينبغي أن يكون هذا الدعم محدد المدة وقابلاً للمراجعة حتى لا يتحول إلى عبء دائم على المالية العامة. وأشاروا كذلك إلى أهمية تعزيز الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص.

حيث لا تستطيع الحكومة وحدها إدارة سلاسل الإمداد أثناء الأزمات؛ فالقطاع الخاص يمتلك الخبرة والبنية اللوجستية وشبكات الاستيراد والتوزيع. لذلك ينبغي إنشاء آلية تنسيق دائمة تجمع الجهات الحكومية والموردين وتجار التجزئة وشركات النقل والتخزين.

وتتيح هذه الشراكة تبادل المعلومات حول المخزون المتوقع، ومصادر التوريد البديلة، وتكاليف النقل، والمخاطر المحتملة. كما يمكن الاتفاق مسبقاً على خطط طوارئ لتوزيع السلع في حال حدوث اضطراب واسع.

وأخيراً أوصوا بضرورة تعزيز وعي المستهلك وإدارة الطلب أثناء الأزمات، حيث لا يقل سلوك المستهلك أهمية عن سياسات العرض.

ففي الأزمات، قد يؤدي الشراء المفرط بدافع الخوف إلى استنزاف المخزون ورفع الأسعار بصورة مؤقتة، حتى عندما تكون الإمدادات الفعلية كافية. لذلك ينبغي للحكومة إطلاق رسائل إعلامية سريعة وشفافة توضح حجم المخزون وتؤكد استمرار الإمدادات وتقدم معلومات موثوقة عن الأسعار.

كما ينبغي تشجيع المستهلكين على تجنب التخزين غير الضروري والإبلاغ عن الزيادات غير المبررة. وتوفر منظومة حماية المستهلك في الإمارات قنوات لتقديم الشكاوى وطلبات زيادة الأسعار، بما يدعم المشاركة المجتمعية في مراقبة الأسواق.

لا احتكار

وقال محمد الشريف، عضو مجموعة موردي الخضراوات والفواكه في دبي ورئيس مجلس إدارة مجموعة شركات «فرزانة» التجارية، إن قطاع الخضراوات والفواكه في دبي لم يشهد خلال الأزمة الأخيرة أي ممارسات أو محاولات لاستغلال الأوضاع، بل سادت بين التجار روح التعاون والتكاتف لضمان استمرار تدفق السلع وتوافرها في الأسواق.

لكنه أوضح أن تكاليف شحن الحاويات المبردة ارتفعت بصورة ملحوظة، الأمر الذي وضع ضغوطاً كبيرة على الموردين، حتى إن بعض التجار اضطروا في بعض الحالات إلى البيع بخسائر أو إتلاف جزء من البضائع نتيجة التأخير الطويل في وصول الشحنات.

وأشار إلى أن مدة وصول بعض الواردات من دول مثل البرازيل وتشيلي ارتفعت من نحو شهر إلى ما يقارب 80 يوماً في بعض الحالات، فيما شهدت الشحنات القادمة من أسواق رئيسية مثل مصر والأردن زيادات كبيرة في تكاليف النقل، حيث ارتفعت تكلفة بعض الشحنات من نحو 4 آلاف دولار إلى 10 آلاف دولار.

ولفت إلى أن هذه التحديات لم تقتصر على أسواق بعينها، بل شملت أيضاً الواردات القادمة من الهند وباكستان وتركيا، إضافة إلى البضائع الأوروبية، التي شهدت بدورها ارتفاعاً في تكاليف الشحن وإطالة في مدد الوصول.

كما رفعت بعض شركات الشحن رسومها على الموردين بحجة عدم وجود عقود مباشرة مع الموانئ، ما أضاف أعباء مالية جديدة وصلت في بعض الحالات إلى آلاف الدولارات للحاوية الواحدة.

وأكد أن تجار الخضراوات والفواكه في دبي تعاملوا مع هذه الظروف بمسؤولية عالية، نظراً لكون هذه السلع أساسية وحيوية للمستهلكين، موضحاً أن الأولوية كانت دائماً لضمان توافر المنتجات بشكل يومي ومنتظم في الأسواق.

تعاون الشركات

من جهته، قال خالد محمد إبراهيم، مدير شركة العدل للمواد الغذائية الأولية، إنه خلال فترات الأزمات من الطبيعي أن ترتفع أسعار عدد من المنتجات نتيجة عدة عوامل ومن أبرزها الخلل الذي يحدث في سلاسل الإمداد.

ومن الطبيعي أيضاً أن تستغل قلة قليلة من التجار هذه الأزمة لتحقيق أرباح ومكاسب غير مبررة وهذا الأمر شائع في أي سوق في العالم.

وأكد أن الغالبية العظمى من الشركات في السوق الإماراتي لديها مبادئ في العمل، وبالفعل تكاتفت وتعاونت بعض هذه الشركات ومنها شركتنا على عدم رفع الأسعار على التجار، لأنه من غير الجائز استغلال الأزمة لتحقيق مكاسب أو احتكار منتجات معينة مما سيضر بالتاجر والمستهلك النهائي.

وذكر أن الشركات سعت جاهدة إلى الحفاظ على علاقة طيبة بين الموردين والتجار وعدم استغلال هذه الأزمة المؤقتة، ولا سيما أن الوضع سيعود طبيعياً والعلاقة ستستمر بين جميع الأطراف. ولفت إلى أنه بالفعل بعض المنتجات في السوق ارتفع سعرها بشكل غير مبرر خلال الأزمة من قبل بعض الموردين.

وأبرز مثال على ذلك هو منتج «حمض الليمون» الذي يستخدم في عشرات المنتجات والصناعات ومنها مشروب «الكولا»، ونحن نتفهم عندما ترتفع أسعار الشحن أن يرتفع السعر وفق معدل معقول ولا سيما بأن المنتج في الغالب يستورد من السوق الصيني، ولكن للأسف ارتفع السعر بشكل جنوني من قبل البعض.

وأفاد بأن سعر الـ25 كيلو من حمض الليمون كان يباع في السوق بـ30 درهماً قبل أزمة كورونا، وارتفع بعد الأزمة إلى 60 درهماً وهذا أمر معقول ومقبول، ولكن خلال الأزمة الأخيرة ارتفع السعر في السوق إلى حدود 200 إلى 250 درهماً لنفس الكمية (زيادة 300 %).

وأضاف: من المبرر أن يرتفع سعر حمض الليمون إلى حدود 100 درهم أو 140 درهماً للشوال الواحد، ولكن أن يكون فوق ذلك زيادة بـ100 درهم هذا غير مبرر، نتفهم أن البعض يريد تحقيق مكاسب ولكن ليس بهذا الشكل.

وتابع: بالنظر إلى الشحن البري، كنا بالعادة نستورد من أسواق الأردن ومصر وسوريا، وكانت كلفة سيارة الشحن 7000 درهم قبل الأزمة الأخيرة ولكنها ارتفعت خلال الأزمة إلى 35 ألف درهم.

ومن الطبيعي أن يقوم المورد بتحميل التاجر نسبة من التكلفة ولنقل 5 دراهم ولكن لا يجب أن يصل الأمر إلى تحميله 40 درهماً زيادة لنفس الكمية، وهنا سيقوم التاجر بتحميل المستهلك النهائي المزيد من التكاليف.

وأكد أن وضع السوق كان طبيعياً خلال الأزمة وكان هناك تعاون وتكاتف ومساندة بين التجار والمورديين، وبالفعل الكثير منهم تحملوا التكاليف ولم يمرروها على المستهلك النهائي.

ولكن هناك فئة صغيرة لا تذكر استغلت الوضع. وأشار إلى أن الموردين يسعون إلى بناء علاقات طويلة الأمد مع التجار، ويجب أن تكون هذه العلاقة مبنية على الثقة المتبادلة وهذا بالفعل ما حدث.

متطلبات الحفاظ على استقرار السوق

وفي الختام، أكد مديرو الشركات أن الحفاظ على استقرار أسعار السلع الأساسية في الإمارات وقت الأزمات يتطلب مزيجاً متوازناً من تأمين الإمدادات، والمخزون الاستراتيجي، وتنويع مصادر الاستيراد، والرقابة الذكية على الأسعار، وحماية المنافسة، والشفافية، والشراكة مع القطاع الخاص.

ولا ينبغي النظر إلى استقرار الأسعار باعتباره عملية إدارية تقوم على منع الزيادات فقط، بل باعتباره نتيجة لاستقرار منظومة العرض والطلب وقدرتها على امتصاص الصدمات.