حسن أبو العينين:
3 دروس من الإمارات لبناء حكومات أكثر استعداداً للمستقبل
دبي منصة للحوار والابتكار تجمع قادة المستقبل وتصوغ أجندة العالم للغد
أكد حسن أبو العينين، نائب رئيس قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى المنتدى الاقتصادي العالمي أن استشراف المستقبل أضحى ركيزة أساسية في تطوير العمل الحكومي وصناعة القرار، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم على المستويات الاقتصادية والتكنولوجية والجيوسياسية، لافتاً إلى تجربة دولة الإمارات في هذا المجال من خلال نهج متكامل يجمع بين التخطيط بعيد المدى، ودمج التفكير المستقبلي في السياسات الحكومية، والاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا، وتحويل الرؤى الاستراتيجية إلى مبادرات ومشروعات عملية.
وقال في حوار مع «البيان»: تتواصل الشراكة بين دولة الإمارات والمنتدى الاقتصادي العالمي منذ أكثر من عقدين، لتنتقل من الحوار وتبادل المعرفة إلى تطوير منصات وأدوات تدعم الذكاء الاستراتيجي واستشراف التحولات العالمية.
كما تجسد دبي، من خلال استضافة الاجتماعات والفعاليات الدولية، دوراً متنامياً في جمع الخبراء وصناع القرار وتمكين القيادات الصاعدة من المشاركة في رسم ملامح المستقبل، مشيراً إلى ملامح التجربة الإماراتية في التخطيط الاستباقي، والدروس التي يمكن للدول الأخرى الاستفادة منها، وآفاق التعاون بين المنتدى والحكومات العربية، ودلالات اختيار دبي لاستضافة الاجتماع الأول لقيادات المستقبل العالمية. وفيما يلي نص الحوار:
* كيف ترى مستوى التعاون بين المنتدى الاقتصادي العالمي والحكومات العربية في تطوير حلول مبتكرة للتحديات العالمية والإقليمية، واستشراف مستقبل أكثر استدامة وازدهاراً للمنطقة؟
- إن التعاون بين المنتدى الاقتصادي العالمي والحكومات العربية يشكل ركيزة أساسية لعمل المنتدى، وإن علاقتنا مع الحكومات العربية، وعلى رأسها حكومة دولة الإمارات، تمتد لأكثر من عقدين من الزمن، وبدأ عملنا الاستشرافي في الإمارات بإطلاق مجالس الأجندة العالمية في 2009، وتطورت إلى مجالس المستقبل العالمية والتي أسهمت توصياتها بشكل مباشر في تشكيل أجندة اجتماعات دافوس، على مدى أكثر من 17 عاماً.
واليوم فإن الإمارات والمنتدى الاقتصادي العالمي انتقلا من الحوار إلى التنفيذ المشترك.
ويشمل عمل المنتدى وحكومة الإمارات مجالات متعددة منها: برنامج الذكاء الاستراتيجي العالمي، والذي أُطلق هذا الأسبوع خلال الاجتماعات السنوية لقيادات المستقبل العالمية إذ يهدف البرنامج إلى ترسيخ الاستخبارات الاستراتيجية كأداة رئيسية تُمكّن الحكومات من رصد المتغيرات العالمية، واستشراف المخاطر والفرص، ودعم اتخاذ القرارات التي تراعي آفاق المستقبل.. والمنصة العالمية للابتكار التنظيمي، والتي تزود الحكومات والجهات المعنية بالأدوات والرؤى اللازمة لتطوير أطر تنظيمية تواكب الوتيرة المتسارعة للتطور التكنولوجي.. ومبادرة الرعاية الصحية الرقمية، التي رسخت مكانة أبوظبي كنموذج عالمي لنظام صحي متكامل يعتمد على الحلول الذكية.
كذلك شبكة مراكز الثورة الصناعية الرابعة التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي، والتي تعد الإمارات جزءاً أساسياً منها من خلال استضافتها ثلاثة مراكز متخصصة، من بينها مركز أبوظبي للتقنيات الرائدة الذي أُطلق بالشراكة مع معهد الابتكار التكنولوجي خلال دافوس 2026، ويركز على تطوير وتطبيق التقنيات المتقدمة، بما في ذلك الحوسبة الكمومية، والروبوتات، وتقنيات الفضاء، إلى جانب مراكز أخرى في دبي وأبوظبي تُعنى بالذكاء الاصطناعي والتقنيات المستقبلية والناشئة.
هذا التعاون يعكس قناعة مشتركة بأن التحديات المعقدة اليوم، من الأمن السيبراني، إلى تحديات المناخ والاقتصاد، تتطلب شراكات بين القطاعين العام والخاص ونماذج حوكمة مرنة تركز على الإنسان، للوصول إلى مستقبل أكثر ازدهاراً واستدامة.
تجربة الإمارات
* ماذا عن تجربة الإمارات في مجال التخطيط الاستباقي واستشراف المستقبل؟
- تعد دولة الإمارات نموذجاً عالمياً رائداً في استشراف المستقبل والتخطيط الاستباقي، ليس فقط من خلال طموح رؤيتها المستقبلية، بل من خلال قدرتها على تحويل هذه الرؤية إلى سياسات ومؤسسات ومبادرات ملموسة.
ولعل أبرز ما يميز التجربة الإماراتية هو أن استشراف المستقبل ليس مجرد تمرين نظري، بل نهج متكامل في العمل الحكومي وصناعة القرار. وهناك ثلاثة دروس رئيسية يمكن للدول الأخرى الاستفادة منها.
الدرس الأول: التفكير والتخطيط بعيد المدى: في حين تركز العديد من الحكومات على دورات تخطيطية قصيرة تتراوح بين أربع وخمس سنوات، تتبنى الإمارات رؤى واستراتيجيات تمتد لعشرين وثلاثين وحتى خمسين عاماً.
ويعكس ذلك إدراكاً بأن الاستعداد للمستقبل يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من التحديات الآنية، والاستثمار المبكر في الفرص والتحولات التي ستشكل اقتصادات ومجتمعات الغد.
والدرس الثاني: ترسيخ الاستشراف في صلب العمل الحكومي: فما يميز التجربة الإماراتية هو دمج التفكير المستقبلي في آليات صنع القرار، بدلاً من التعامل معه كنشاط منفصل عن العمل الحكومي.
ويُعد إنشاء ثمانية مجالس إماراتية للذكاء الاستراتيجي، بالتعاون مع مجالس المستقبل العالمية، ورفع توصياتها مباشرة إلى مكتب رئيس مجلس الوزراء، مثالاً على تحويل المعرفة والخبرات العالمية إلى رؤى استراتيجية تدعم صياغة السياسات الوطنية.
أما الدرس الثالث فيتمثل في المرونة والاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا: حيث أدركت الإمارات مبكراً أن الاستعداد للمستقبل لا يعتمد على التخطيط وحده، بل يتطلب بناء مؤسسات مرنة، وبيئة تشجع الابتكار واستقطاب المواهب، وقيادات تمتلك المهارات اللازمة للتعامل مع التحولات المتسارعة.
ويتجلى ذلك في استحداث أدوار حكومية تُعنى بالمستقبل والذكاء الاصطناعي، وتطوير نماذج عمل أكثر مرونة تعزز التعاون مع القطاع الخاص، إلى جانب الاستثمار في التقنيات المتقدمة لدعم اتخاذ قرارات أكثر استباقية وفاعلية.
نهج
* ما أبرز الأمثلة التي تبرز نهج الإمارات في تطوير العمل الحكومي وتوظيف الأنظمة التقنية المتقدمة؟
- لعل أحد أبرز الأمثلة الحديثة على هذا النهج هو المشروع الوطني للذكاء الاصطناعي الوكيل والذي يهدف إلى إحداث نقلة نوعية في نموذج العمل الحكومي، من خلال توظيف أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على تنفيذ المهام والعمليات بصورة أكثر استقلالية، مع استهداف تحويل 50 % من الخدمات والعمليات الحكومية إلى نماذج تعتمد على هذه التقنية خلال عامين.
والأهم أن هذه المبادرة لا تقتصر على التحول التكنولوجي، بل تضع تطوير القدرات البشرية في صميم أولوياتها، من خلال برنامج يستهدف تدريب 80 ألف موظف حكومي على مهارات الذكاء الاصطناعي الوكيلي، بما يضمن جاهزية الكوادر الوطنية لقيادة هذا التحول والاستفادة من فرصه.
وهنا يكمن الدرس الأهم من التجربة الإماراتية: أن استشراف المستقبل لا يعني التنبؤ بما سيحدث، بل بناء القدرات والمؤسسات والمهارات التي تمكننا من الاستعداد له والمساهمة في تشكيله.
لماذا الإمارات؟
* لماذا اختار المنتدى الاقتصادي العالمي دولة الإمارات لاستضافة الاجتماع الأول لقيادات المستقبل العالمية؟
- إن اختيار المنتدى الاقتصادي العالمي لدولة الإمارات، ولدبي تحديداً، لاستضافة الاجتماع الأول لقيادات المستقبل العالمية لم يكن قراراً عابراً، بل يعكس شراكة استراتيجية راسخة تمتد لأكثر من 17 عاماً، وثقة متبادلة بقدرة دبي على أن تكون منصة عالمية للحوار وصناعة المستقبل.
فعلى مدار السنوات، استضافت دبي اجتماعات مجالس المستقبل العالمية، وأثبتت قدرتها على جمع آلاف الخبراء وصناع القرار ورواد الفكر من مختلف أنحاء العالم، وتحويل الحوار حول التحديات العالمية إلى مبادرات وشراكات وحلول عملية.
واليوم، ومع تزايد حالة عدم اليقين التي يشهدها العالم، وتعاظم التحديات الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية، تبرز دولة الإمارات كنموذج للمرونة والاستقرار والقدرة على مواصلة الاستثمار في المستقبل رغم التقلبات الإقليمية والدولية.
فقد أثبتت الدولة أن بناء المستقبل لا ينتظر استقرار الظروف، بل يتطلب قيادة تمتلك الرؤية والقدرة على اتخاذ قرارات استباقية وتحويل التحديات إلى فرص، وهو النهج الذي رسخته الإمارات وأصبحت دبي أحد أبرز تجسيداته.
قادة المستقبل
* ما الذي يعكسه هذا الاختيار بشأن مكانة دبي ودورها في إعداد قادة المستقبل؟
- الحقيقة يعكس اختيار دبي قناعة المنتدى الاقتصادي العالمي بأن القادة الصاعدين يجب أن يكونوا شركاء في صياغة مستقبل العالم، لا مجرد متلقين لنتائج القرارات التي تُتخذ اليوم.
وكما قال ألوي زوينجي، الرئيس والمدير التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي: «إن القرارات التي نتخذها اليوم ترسم ملامح العالم الذي سيرثه الجيل القادم، ولذلك يجب أن يكون للقادة الصاعدين صوت مسموع في صياغتها».
وهذه هي الفلسفة التي تجسدها دبي، فهي مدينة تجمع بين الطموح والابتكار، وتوفر بيئة تمكّن الشباب، وتعزز الحوار بين الأجيال، وتمنح القيادات الجديدة مساحة حقيقية للمشاركة في تصميم الحلول.
والأهم من ذلك، أن دبي لم تعد مجرد منصة لاستشراف المستقبل، بل أصبحت منصة لتحويل الأفكار إلى واقع.
فمن خلال منظومة متكاملة تضم مختبرات الابتكار، وشراكات القطاعين الحكومي والخاص، والتعاون الدولي، توفر دبي البيئة اللازمة للانتقال من الحوار إلى التنفيذ، ومن الرؤى إلى المبادرات المؤثرة.
كما أن مخرجات هذا الاجتماع ستسهم بشكل مباشر في تشكيل أجندة الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 2027، بما يؤكد أن ما سينطلق من دبي سيكون جزءاً من النقاش العالمي حول مستقبل الاقتصاد والتكنولوجيا والمجتمع.
لذلك، فإن اختيار دبي لا يعكس مكانتها مركزاً عالمياً لاستشراف المستقبل فحسب، بل يؤكد دورها شريكاً فاعلاً في صناعته، ومركزاً يجتمع فيه قادة اليوم وقادة الغد للعمل معاً على بناء عالم أكثر مرونة وازدهاراً.