تعثر إمدادات النحاس يهدد مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الخضراء

يُعتد النحاس واحداً من أكثر المعادن شيوعاً وانتشاراً في العالم، ويُستخدم في جميع الأجهزة التي تعمل بالكهرباء تقريباً، من الهواتف الذكية والثلاجات، إلى السيارات الكهربائية وشبكات الطاقة. كما يلعب النحاس دوراً محورياً في التكنولوجيا الخضراء، التي تهدف إلى تقليل الانبعاثات الكربونية، وفي تشغيل مراكز البيانات، التي أصبحت حجر الزاوية في طفرة الذكاء الاصطناعي.

ومع تزايد الطلب على النحاس عالمياً، تتزايد المخاوف بشأن كفاية الإمدادات. فقد شهد الإنتاج توقفاً متكرراً خلال الأشهر الأخيرة، وبرزت صعوبات في بناء مناجم جديدة، أو توسيع العمليات القائمة. كما أدت المخاوف المستمرة من احتمال فرض تعريفات جمركية على المنتجات المكررة في الولايات المتحدة، إلى تراكم المخزونات هناك، مع استنزاف المخزونات في أماكن أخرى. وتسبب هذا، إلى جانب تأثير تعطّل المناجم في دول مثل تشيلي وإندونيسيا، في دفع أسعار النحاس إلى مستويات قياسية، حيث تجاوزت 13 ألف دولار للطن، في بورصة لندن للمعادن.

الدوافع وراء الطلب المتزايد على النحاس

تأثرت توقعات الطلب على النحاس على المدى القصير، بضعف النشاط الاقتصادي في الصين، أكبر مستهلك عالمي للمعدن، نتيجة ركود سوق العقارات، وضعف الإنفاق الاستهلاكي، ما قلل الحاجة إلى السلع النهائية، مثل الأجهزة الإلكترونية والسباكة والأسلاك. ومع ذلك، من المتوقع أن يستمر الطلب العالمي في الارتفاع على المدى الطويل، مدفوعاً بالتحول نحو مصادر الطاقة النظيفة، مثل الألواح الشمسية وتوربينات الرياح، وزيادة استخدام السيارات الكهربائية، وتوسيع شبكات الطاقة.

وتستهلك السيارات الكهربائية أكثر من ثلاثة أضعاف كمية النحاس، مقارنة بنظيراتها التقليدية. كما أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، الأكثر كثافة في استخدام الطاقة، تتطلب كميات ضخمة من النحاس في الخوادم وأنظمة التبريد وتوصيلات الطاقة والمكونات الاحتياطية، ما يجعل النحاس عنصراً حيوياً لهذه البنية التحتية الرقمية الحديثة.

إمدادات النحاس: هل تكفي لتلبية الطلب؟

تتوقع «بلومبرغ إن إي إف»، حدوث عجز في المعروض خلال العقد القادم، وربما يبدأ هذا العجز هذا العام. فقد واجهت العديد من المناجم الكبرى صعوبات تشغيلية في 2025، مع خفض بعض شركات التعدين توقعاتها للإنتاج. وشهدت مجمعات مناجم كبرى في الكونغو وتشيلي وإندونيسيا، حوادث أدت إلى توقف الإنتاج، من فيضانات وانهيارات نفقية وانزلاقات طينية، ما زاد الضغط على مصاهر النحاس.

على الرغم من جهود إعادة التدوير، إلا أن الكميات المعاد تدويرها لا تكفي لتغطية الطلب المتزايد، ما يجعل استخراج النحاس من الأرض الحل الوحيد لتلبية الاحتياجات المستقبلية.

التحديات أمام زيادة الإنتاج

تواجه شركات التعدين عدة عقبات هيكلية في زيادة الإنتاج. فإنتاج النحاس أصبح أكثر صعوبة وتكلفة، بسبب انخفاض تركيز الخام، ما يستلزم تعدين كميات أكبر من الصخور، للحصول على نفس كمية المعدن. كما يفرض التدقيق البيئي الصارم قيوداً إضافية، تتعلق باستهلاك المياه والتلوث، على تطوير المشاريع الجديدة.

إضافة إلى ذلك، تتباطأ وتيرة اكتشاف رواسب النحاس الجديدة، فقد تم اكتشاف 14 منجماً فقط خلال العقد الأخير، من بين 239 منجماً رئيساً، تم اكتشافها بين عامي 1990 و2023. واستغرق تطوير المناجم الجديدة عادة أكثر من 15 عاماً للوصول إلى الإنتاج الفعلي. لذلك، تتجه شركات التعدين إلى الاندماجات والاستحواذات، لتوسيع محافظها من الأصول، مثل اندماج «أنغلو أميركان» و«تيك ريسورسز»، لإنشاء خامس أكبر منتج للنحاس في العالم.

الموارد العالمية ومخاوف الجغرافيا السياسية

تسيطر ثلاث دول فقط على نحو 50 % من إنتاج النحاس العالمي، وهي تشيلي وجمهورية الكونغو الديمقراطية وبيرو. بينما تمتلك الصين ثامن أكبر احتياطيات عالمية، إلا أنها عوضت ذلك بالاستحواذ على مناجم في الخارج، وبناء قدرات ضخمة للصهر محلياً، لتسيطر على أكثر من 40 % من إنتاج النحاس المكرر عالمياً في 2024. هذا التمركز أثار قلق الولايات المتحدة وحلفائها، الذين يسعون لتأمين المعادن الحيوية، ومعالجتها محلياً، أو في دول صديقة.

تأثير التعريفات الجمركية الأمريكية

أعلنت الإدارة الأمريكية في فبراير 2025، خطة لفرض تعريفات جمركية على النحاس، مع إعفاء المعدن المكرر، لكنها فرضت رسوماً بنسبة 50 % على المنتجات نصف المصنعة، مثل الأنابيب والأسلاك والمكونات الكهربائية. أثرت هذه المخاوف في حركة التجارة، وأسهمت في ارتفاع أسعار العقود المستقبلية، مع ضخ كميات كبيرة من النحاس إلى السوق الأمريكية، لتصبح مخزونات بورصة كومكس أعلى بخمس مرات، مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي.

في ضوء هذه التحديات، يبدو النحاس عنصراً استراتيجياً، يوازي النفط في أهميته الاقتصادية والجيوسياسية، ويشكل ضمان توفره مستقبلاً ضرورة ملحة للنمو الصناعي والتكنولوجي في القرن الحالي.