بين الملاذ الآمن والأداة الاستراتيجية.. لماذا يصمد الذهب؟

أحمد عنيزان
أحمد عنيزان

وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية، وتقلبات أسعار النفط، وتغير توقعات الفائدة الأمريكية، تعيش أسواق الذهب العالمية حالة من التذبذب الحاد، مع تحرك المعدن الأصفر بين ضغوط قوة الدولار ومخاوف التضخم من جهة، وعودة الطلب عليه كملاذ آمن من جهة أخرى. وبين موجات الصعود السريعة والتراجعات المفاجئة، يواصل الذهب جذب أنظار المستثمرين والبنوك المركزية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تباطؤ الاقتصاد العالمي واضطرابات الأسواق المالية، ما يجعل حركة الذهب اليوم انعكاساً مباشراً لحالة القلق وعدم اليقين التي تسيطر على الاقتصاد العالمي.

وأكد الخبير الاقتصادي المختص بالذهب والأحجار الكريمة، أحمد عنيزان، أن أسواق الذهب العالمية تشهد تحولاً تاريخياً في طبيعة دور المعدن الأصفر، موضحاً أن الذهب لم يعد مجرد ملاذ آمن تقليدي يرتفع مع الأزمات والحروب، بل أصبح أداة استراتيجية تعتمد عليها الدول والبنوك المركزية لإعادة تشكيل توازناتها المالية وتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي.

وأوضح عنيزان أن قراءة حركة الذهب في المرحلة الحالية تتطلب فهماً أعمق من الربط التقليدي بين الحروب وارتفاع الأسعار، مشيراً إلى أن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه على الأسواق اليوم: «لماذا لم يرتفع الذهب بقوة؟»، بل «كيف استطاع الذهب الصمود عند هذه المستويات المرتفعة رغم قوة الدولار، وارتفاع عوائد السندات، وتشدد السياسة النقدية الأمريكية؟».

وأضاف أن هذه المعادلة تكشف أن الذهب يعيش مرحلة إعادة تموضع داخل النظام المالي العالمي، حيث بات يُنظر إليه كأصل استراتيجي طويل الأجل وليس مجرد أداة تحوّط مؤقتة ضد الأزمات.

وبيّن أن الحروب والتوترات الجيوسياسية كانت تاريخياً تدعم الذهب بشكل مباشر باعتباره مخزناً للقيمة، إلا أن الأزمة الحالية تختلف عن سابقاتها بسبب ارتباطها الوثيق بالطاقة والتضخم وسلاسل الإمداد العالمية، الأمر الذي خلق تأثيرات مزدوجة على السوق.

وأشار إلى أن أي تصعيد في منطقة الشرق الأوسط لم يعد يُقرأ فقط من منظور سياسي أو أمني، بل باعتباره تهديداً مباشراً لأسواق النفط والطاقة العالمية، خاصة مع حساسية الممرات البحرية وخطوط الإمداد الحيوية.

وأوضح أن ارتفاع أسعار النفط يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والشحن والتأمين والصناعة والإنتاج الغذائي، وهو ما ينعكس لاحقاً على معدلات التضخم العالمية، وبالتالي يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، الأمر الذي يعزز الدولار الأمريكي ويضغط على الذهب من الناحية الاستثمارية.

وأضاف أن الذهب يتحرك حالياً داخل «معادلة مزدوجة»، حيث تدعمه المخاوف الجيوسياسية والاقتصادية من جهة، بينما تضغط عليه قوة الدولار وارتفاع العوائد من جهة أخرى، مؤكداً أن صموده رغم هذه العوامل يمثل إشارة قوة وليس ضعفاً.

وأكد عنيزان أن الذهب لو كان مجرد أصل مضاربي قصير الأجل لكان تعرض لتراجعات حادة تحت تأثير السياسة النقدية الأمريكية، إلا أن استمرار تماسكه يعكس وجود طلب عميق ومستدام تقوده البنوك المركزية والمؤسسات السيادية حول العالم.

وأشار إلى أن بيانات مجلس الذهب العالمي تعكس هذا التحول بوضوح، حيث تجاوز إجمالي الطلب العالمي على الذهب خلال عام 2025 حاجز 5 آلاف طن لأول مرة في التاريخ، بقيمة قاربت 555 مليار دولار، بالتزامن مع تسجيل المعدن النفيس عشرات القمم السعرية التاريخية خلال العام.

وأضاف أن مشتريات البنوك المركزية من الذهب بلغت نحو 863 طناً خلال 2025، فيما سجل الربع الأول من عام 2026 طلباً رسمياً تجاوز 244 طناً، مع تصاعد وتيرة الشراء من قبل دول مثل الصين وروسيا والهند وبولندا وتركيا وأوزبكستان.

وأوضح أن هذه الأرقام لا تعكس قرارات استثمارية قصيرة المدى، بل تمثل «قرارات سيادية» تهدف إلى تنويع الاحتياطيات وتقليل الانكشاف على الدولار والنظام المالي القائم على الديون والعملات الورقية.

وبيّن أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك أكبر احتياطي رسمي من الذهب في العالم، تليها ألمانيا وإيطاليا وفرنسا، إلا أن اللافت في السنوات الأخيرة هو تسارع توجه الاقتصادات الناشئة والكبرى نحو زيادة حيازاتها من المعدن الأصفر.

وأشار إلى أن الصين وروسيا تنظران إلى الذهب كأداة لتعزيز الاستقلال المالي وتقليل الاعتماد على الدولار، بينما تعتبره الهند جزءاً من منظومتها السيادية والاقتصادية والثقافية، في حين تستخدمه دول أخرى مثل تركيا وبولندا لتعزيز قوة احتياطياتها في مواجهة التقلبات الاقتصادية والتضخم.

وأكد عنيزان أن الذهب يمتلك ميزة لا تتوفر في العملات أو السندات، تتمثل في كونه أصلاً لا يمثل التزاماً أو ديناً على أي جهة، ما يجعله أكثر أماناً في أوقات الأزمات المالية وارتفاع مستويات الدين العالمي.

وأضاف أن العالم يشهد اليوم تصاعداً في المخاطر المرتبطة بالديون السيادية، والعقوبات الاقتصادية، والانقسامات الجيوسياسية، والأزمات المصرفية، وهو ما يعزز أهمية الذهب كأداة استراتيجية لحماية الاحتياطيات والثروات الوطنية.

وأشار إلى أن الكثير من المستثمرين يخطئون عند قراءة الذهب من زاوية التحركات اليومية فقط، موضحاً أن السوق يتحرك على مستويين مختلفين؛ الأول قصير الأجل ويتأثر بالتضخم والفائدة والدولار والمضاربات اليومية، والثاني استراتيجي طويل الأجل تقوده البنوك المركزية والدول ضمن خطط إعادة هيكلة الاحتياطيات المالية.

وأضاف أن الذهب قد يشهد فترات من التراجع أو التحرك العرضي، إلا أن ذلك لا يعني فقدانه لقوته، بل قد يكون جزءاً من عملية «إعادة تسعير» أوسع ترتبط بالتحولات الاقتصادية العالمية.

واختتم عنيزان تصريحه بالتأكيد على أن الذهب لم يعد مجرد أصل دفاعي يرتفع في أوقات الخوف، بل أصبح جزءاً من معركة اقتصادية عالمية لإعادة التوازن داخل النظام المالي الدولي، وتقليل الاعتماد المطلق على الدولار، والتحوّط من هشاشة النظام المالي القائم على الديون والسياسات النقدية المتغيرة.

وأشار إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تعزيزاً أكبر لدور الذهب في الاحتياطيات الرسمية العالمية، مع استمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي، مؤكداً أن صمود الذهب حتى الآن يمثل دليلاً واضحاً على التحول العميق الذي تشهده الأسواق العالمية تجاه المعدن النفيس.