حذر صندوق النقد الدولي (IMF) ووكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني من مغبة وقوف الاقتصاد العالمي في عام 2026 عند نقطة تحول دقيقة تتأرجح بين مرونة مؤشرات النمو الهيكلي من جهة، وتصاعد الضغوط التضخمية الناجمة عن أسواق الطاقة من جهة أخرى. وفي قراءة مشتركة للمشهد الراهن، قدمت المؤسستان الدوليتان حزمة من التقييمات والمحاذير الصارمة التي ترسم خريطة طريق معقدة للمستثمرين وصناع السياسات النقدية حول العالم، منبّهتين من «صدمة طاقة» جديدة قد تعيد خلط الأوراق المالية العالمية، وتدفع بالأسواق نحو منطقة خطر غير متوقعة.
وفي تحديثه الأخير لتقرير آفاق الاقتصاد العالمي، ثبت صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي لعام 2026 عند نسبة 3.3%. هذا الرقم، وإن كان يعكس استقراراً نسبياً وقدرة على الصمود في وجه الأزمات المتلاحقة، إلا أنه يخفي في طياته تباطؤاً في بعض الاقتصادات الناشئة والمتقدمة نتيجة لارتفاع تكاليف التمويل المستمر.
ويرى خبراء الصندوق أن هذا الاستقرار ما زال مشروطاً بمدى قدرة سلاسل الإمداد العالمية على تحمل الضغوط الجيوسياسية المستمرة، لا سيما في الممرات المائية الحيوية وحقول إنتاج الطاقة. فالنمو الحالي لا يتحرك بمؤشرات اندفاعية، بل هو نتيجة لسياسات التحوط المالي الصارمة التي انتهجتها الحكومات خلال العامين الماضيين، ما يعني أن أي هزة غير متوقعة في معروض السلع الأساسية قد تحول هذا الاستقرار إلى انكماش مفاجئ.
على الجانب الآخر من المشهد التحليلي، ركزت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني في مراجعتها الشاملة على الجانب المظلم لارتفاع أسعار الطاقة. وحذرت الوكالة بشكل مباشر من أن استمرار صدمات أسعار النفط الخام – والتي تلامس مستويات قياسية بفعل التوترات الإقليمية – سيعمل كمحفز قوي لرفع مستويات التضخم العالمي مجدداً بشكل يخرج عن السيطرة التقليدية.
أخطر ما ورد في تقرير «فيتش» هو الانعكاس المباشر لهذه الموجة التضخمية على القوة الشرائية للأفراد؛ حيث يسهم ارتفاع أسعار الوقود والخدمات الأساسية في «انكماش الأجور الحقيقية» للطبقة العاملة والموظفين. بمعنى آخر، فإن الزيادات الاسمية في الرواتب تلتهمها بالكامل تكاليف المعيشة المرتفعة، ما يؤدي إلى تراجع معدلات الاستهلاك الشخصي، الذي يمثل الوقود الحقيقي لنمو الاقتصادات الرأسمالية.
أمام هذا المشهد التضخمي المركب، تجد البنوك المركزية العالمية وفي مقدمتها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي نفسها في مأزق حقيقي. فبناءً على المعطيات التي طرحتها «فيتش»، فإن عودة شبح التضخم الطاقي سيجبر صانعي السياسة النقدية على الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستوياتها المرتفعة لفترة أطول مما كان متوقعاً في خطط مطلع العام.
هذا التوجه يعني تلقائياً تأجيل أي خطط مرتقبة لـ «التيسير النقدي» أو خفض الفائدة. هذا السيناريو يمثل ضغطاً مضاعفاً على الشركات التي تبحث عن تمويل منخفض التكلفة للتوسع، كما يزيد من عبء خدمة الديون السيادية للدول النامية، ما يضع الأسواق المالية عالمياً في منطقة ترقب حذر، بانتظار ما ستؤول إليه صراعات الطاقة الإقليمية وتأثيرها على حركة السلع.

