هدية حكومية غير متوقعة تضع بقوة علامات استفهام مثيرة حول مستقبل الأجيال الأمريكية الجديدة؛ فمن كان يظن أن منحة قيمتها 1000 دولار فقط يمكنها أن تقفز بالرصيد الاستثماري للطفل ليصل إلى 243 ألف دولار عند بلوغه سن التقاعد؟
هذا الرقم المثير يمثل الجوهر الفكري والدعائي لما بات يُعرف بـ "حسابات ترامب" الاستثمارية للأطفال، والتي أطلقتها الحكومة الأمريكية لمنح المواليد الجدد في ولاية الرئيس دونالد ترامب الثانية دفعة مالية يبدأ تدشينها من الرابع من يوليو لعام 2026.
وتستهدف هذه المنحة تأمين مستقبل الأطفال مبكراً، شريطة أن يقوم أولياء الأمور أو الأوصياء بتقديم الأوراق الرسمية المطلوبة لمصلحة الضرائب لفتح هذه الحسابات التي تحمل اسم الرئيس وتأخذ طابع صناديق التقاعد الفردية التقليدية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية بالغة في أوساط خبراء الاقتصاد وأساتذة إدارة الأعمال المهتمين بدراسة الثروات والمدخرات، حيث تمثل محاولة عملية لفك شفرات السلوك الادخاري في المجتمع الأمريكي.
ورغم أن هذه الحسابات تفتح آفاقاً واسعة لبناء أصول مالية طويلة الأجل، إلا أنها تأتي محملة ببعض القيود القانونية والاستثمارية التي قد تحد من مرونتها، خصوصاً عند الرغبة في استخدامها لتغطية النفقات الحيوية والملحة في حياة الشباب، مثل تمويل التعليم الجامعي المرتفع التكاليف أو تأمين الدفعة الأولى لشراء المنزل الأول.
ثروات مؤجلة
وتعمل حسابات ترامب كصناديق تقاعد فردية تقليدية مخصصة للأطفال، حيث تُستثمر المبالغ المودعة فيها حالياً بشكل كامل في محفظة استثمارية تحاكي مؤشر سوق الأسهم الأمريكي الرئيسي "إس آند بي 500".
وتتبع هذه الصناديق الآلية المعتمدة لحسابات البالغين، حيث تُخصم المساهمات من الدخل الخاضع للضريبة في سنة إيداعها، في حين تخضع السحوبات المستقبلية للضريبة سواء جرت قبل بلوغ سن التقاعد أو بعده.
وتتميز الحسابات بخصوصية تمويلية؛ إذ تدعم الحكومة المواليد بين عامي 2025 و2028، مع إتاحة مهلة ممتدة حتى خريف عام 2034 لإنشاء الحساب، وتسمح القوانين بضخ مساهمات إضافية من الأقارب والشركات والجمعيات الخيرية بسقوف سنوية محددة، كما أنها لا تشترط وجود دخل من وظيفة للطفل بعكس الحسابات الاستثمارية التقليدية.
قفزات فلكية
وتستند القوة الرياضية لهذه الحسابات إلى فلسفة الفائدة المركبة ونمو الأصول؛ إذ تشير البيانات الرسمية المنشورة على الموقع الحكومي للبرنامج إلى أن منحة الألف دولار المبدئية – دون أي إضافات – ستصل إلى 243 ألف دولار عند سن الخامسة والخمسين.
لكن الأرقام تصبح أكثر إثارة عند تفعيل الإيداعات الإضافية التي سمح بها القانون بسقف 5,000 دولار سنوياً للأفراد؛ حيث تظهر محاكاة البيت الأبيض أنه في حال ادخار 250 دولاراً فقط سنوياً، فإن الرصيد سيتجاوز 878 ألف دولار عند سن الـ 55، بل إن استغلال السقف القانوني الأعلى بالكامل (5,000 دولار سنوياً) كفيل بالقفز بالثروة المستقبلية للطفل إلى نحو 13 مليون دولار.
غير أن هذه التقديرات الفلكية تواجه تحفظات منطقية من قِبل خبراء المال، كونها تفترض نمواً ثابتاً للبورصة يتجاوز 10% سنوياً دون احتساب معدلات التضخم أو استقطاعات الضرائب المؤجلة عند السحب.
إنقاذ البورصة
ويرتبط أداء هذه المدخرات مباشرة باتجاهات البورصة الأمريكية كونها تستثمر حالياً في خطة موحدة تمتلك أسهماً بأكبر خمسمئة شركة مدرجة، مما يعني تلقائياً توجيه خمس هذه الأموال إلى شركات التكنولوجيا العملاقة مثل إنفيديا وآبل وميكروسوفت وأمازون.
وتُسهم هذه الآلية الادخارية الجماعية في دعم القيمة السوقية للأسهم الأمريكية عبر ضخ تدفقات مالية مستمرة يصعب سحبها، مما يساعد في معالجة أزمة تراجع معدلات الادخار لدى الأمريكيين والتي انخفضت من ما يزيد عن 13% في سبعينيات القرن الماضي إلى ما دون 4% في السنوات الأخيرة، تاركة الكثير من العائلات دون غطاء مالي كافٍ لمواجهة الأزمات الطارئة أو الاستعداد للتقاعد.
وعلى الجانب الآخر، تبرز خمسة تحديات رئيسية تحيط بهذه الحسابات وتدعو الآباء للتريث؛ أولها حظر سحب أي جزء من الأموال قبل بلوغ الطفل سن الثامنة عشرة حتى مع قبول دفع غرامة مالية، وثانيها خضوع السحوبات لضريبة الدخل العادية ما لم تكن موجهة للتعليم أو السكن أو الإغاثة من الكوارث، وثالثها غياب الامتيازات الضريبية الفورية للمساهمين من الأقارب.
ويتجلى التحدي الرابع في انتقال السيطرة المالية الكاملة والرقابة على الأموال إلى الطفل بمجرد بلوغه الثامنة عشرة دون أي وصاية برغم مخاوف بعض الآباء من ضعف الكفاءة التدبيرية في هذا السن، وأخيراً غياب التلقائية في فتح الحسابات مما يضطر الأوصياء لخوض إجراءات تقديم الطلبات عبر مصلحة الضرائب.
سوابق تشريعية
وتعود الجذور الفكرية لهذه الحسابات الاستثمارية إلى أطروحات علم الاجتماع في تسعينيات القرن الماضي، وتحديداً الرؤية المقترحة لحسابات التنمية الفردية الموجهة لدعم الفئات الأقل دخلاً في مرحلة الشباب لتمكينهم من تجاوز معضلة الفقر.
ورغم المخاوف من أن يتأثر الإقبال على هذه الحسابات سلباً بسبب ربطها باسم الرئيس قياساً بالتجاذبات السياسية، إلا أن هناك سوابق تشريعية ممثلة بحسابات "روث" الشهيرة المنسوبة لأحد الشيوخ البارزين في الكونغرس.
وفي المحصلة، يظل التوجه نحو تأسيس هذه المحفظة الاستثمارية خطوة استراتيجية تمنح الأجيال الجديدة قاعدة انطلاق مالي قوية في مستهل حياتهم العملية.
