طريق الذهب..هل يتجه نحو 6000 دولار بعد موجة التقلبات؟

من قمم قياسية تجاوزت 4700 دولار للأونصة، إلى هبوط حاد دون مستوى 4000 دولار، يواصل الذهب تقديم واحدة من أكثر الرحلات تقلباً في الأسواق العالمية خلال الأشهر الأخيرة.

وبينما أعادت موجات الصعود إشعال رهانات المستثمرين على مستويات تاريخية جديدة قد تصل إلى 6000 دولار للأونصة، كشفت التصحيحات العنيفة في المقابل عن مخاطر لا يمكن تجاهلها، في سوق تتداخل في تحركاته أسعار الفائدة والدولار والتضخم ومشتريات البنوك المركزية، إلى جانب التطورات الجيوسياسية وتدفقات الاستثمار.

ومع عودة المعدن الأصفر إلى مستويات مرتفعة، تتزايد التساؤلات حول مستقبل الأسعار: هل يستأنف الذهب موجته الصاعدة نحو مستويات جديدة، أم أن السوق بات بحاجة إلى تصحيح أعمق قبل استكمال مساره؟

وهل يمثل الذهب فرصة للشراء عند المستويات الحالية، أم أن الانتظار والشراء التدريجي قد يكونان الخيار الأكثر ملاءمة للمستثمر طويل الأجل؟ «البيان» استطلعت آراء خبراء ومتخصصين في الذهب والأسواق المالية لرصد أبرز محركات المعدن الأصفر، وقراءة اتجاهاته المقبلة، وتحديد الاستراتيجيات الأنسب للتعامل مع موجات الصعود والهبوط.

مستوى 6000 دولار

الذهب يعيش حالياً صراعاً بين قوتين؛ الأولى تتمثل في الطلب على الملاذ الآمن والتحوط وتنويع المحافظ، والثانية تتمثل في تكلفة الاحتفاظ بالذهب مقارنة بالأصول المدرة للعائد. لذلك فإن أي تغير في توقعات خفض الفائدة الأمريكية يمكن أن يؤدي إلى تحركات سريعة في الأسعار.

وفي حال اتجه الاحتياطي الفيدرالي إلى سياسة نقدية أكثر مرونة، مع تراجع العوائد الحقيقية وضعف الدولار، فإن البيئة تصبح أكثر ملاءمة للذهب. أما ارتفاع العوائد وقوة الدولار فقد يدفعان المستثمرين إلى إعادة توزيع جزء من السيولة بعيداً عن المعدن، وهو ما يفسر إمكانية حدوث تصحيحات حادة حتى داخل الاتجاه الصاعد.

ويمثل مستوى 6000 دولار للأونصة سيناريو صعودياً وليس بالضرورة توقعاً أساسياً. الوصول إليه يتطلب استمرار مجموعة من العوامل الإيجابية في العمل معاً، وفي مقدمتها انخفاض الفائدة والعوائد الحقيقية، وضعف الدولار، واستمرار مشتريات البنوك المركزية، وارتفاع المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية، فضلاً عن استمرار تدفقات المستثمرين إلى الذهب.

لذلك فإن الحديث عن 6000 دولار يجب ألا يُقرأ باعتباره مساراً خطياً. فالذهب يمكن أن يتجه نحو مستويات مرتفعة جداً، لكنه قد يمر قبل ذلك بتصحيحات بعشرات أو مئات الدولارات للأونصة.

الأصول الاستثمارية

أندرو نايلور
أندرو نايلور

في البداية تحدث أندرو نايلور، رئيس شؤون الشرق الأوسط والسياسات العامة في مجلس الذهب العالمي، عن العوامل التي تؤثر في ارتفاع وانخفاض أسعار الذهب والتوقعات لاتجاه الذهب خلال الفترة المقبلة، قائلاً:

يتأثر الذهب بعوامل اقتصادية ومالية وجيوسياسية. ومن أبرز هذه العوامل أسعار الفائدة والعوائد الحقيقية، وتوقعات التضخم، وقوة الدولار الأمريكي، ومعنويات المستثمرين، ومستويات عدم اليقين الجيوسياسي..

هذه العوامل تنعكس بدرجات متفاوتة على المكونات الرئيسة الأربعة للطلب على الذهب، وهي: البنوك المركزية، والمستثمرون، وقطاع المجوهرات، والقطاع التكنولوجي. وهذا التنوع في العوامل المؤثرة في أداء الذهب هو ما يمنحه مكانته الفريدة بين الأصول الاستثمارية.

في حين يميل إلى تحقيق أداء جيد خلال فترات عدم اليقين المرتفعة، نظراً إلى اعتباره مخزناً للقيمة وأداة فعالة لتنويع المحافظ الاستثمارية.

المحرك الرئيس

ويضيف نايلور: في أحدث تقارير اتجاهات الطلب على الذهب أشرنا إلى أن الطلب الاستثماري مرشح ليكون المحرك الرئيس للطلب على الذهب خلال ما تبقى من العام الجاري 2026.

ولا يزال الطلب مدعوماً بعوامل عدة؛ أبرزها استمرار التوترات الجيوسياسية، والمخاوف المتعلقة بالتضخم، إلى جانب مواصلة البنوك المركزية شراء الذهب في إطار جهودها لتنويع الاحتياطيات.

وفي المقابل قد تؤدي عوامل مثل ارتفاع العوائد الحقيقية، وتوقعات السياسة النقدية، وتحركات الدولار الأمريكي إلى فترات من التذبذب والتأثير في أداء الأسعار على المدى القصير.

وفي حين أننا لا نقدم توقعات سعرية محددة للذهب فإن العوامل الأساسية التي تدعم الطلب على الذهب لا تزال قائمة، مدعومةً باستمرار الطلب الاستثماري، ومشتريات البنوك المركزية، والدور الذي يؤديه الذهب كأصل استراتيجي خلال فترات عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي.

ويقول نايلور: يُنظر إلى الذهب عادةً على أنه أصل استراتيجي طويل الأجل، وليس أداة للمضاربة قصيرة الأجل، ومحاولة توقيت السوق وتحقيق أفضل نقطة دخول بشكل مستمر تُعد أمراً بالغ الصعوبة.

لذلك يختار العديد من المستثمرين الاحتفاظ بالذهب ضمن محافظهم الاستثمارية المتنوعة؛ لما يتمتع به من قدرة على المساعدة في الحفاظ على الثروة، وإدارة المخاطر، وتعزيز مرونة المحافظ الاستثمارية في مختلف الظروف الاقتصادية والمالية.

وتابع : على مر التاريخ، اتجه المستثمرون إلى الذهب خلال فترات تقلب الأسواق، وارتفاع معدلات التضخم، وحالات عدم اليقين الجيوسياسي. إلا أن دوره لا يقتصر على هذه الظروف فحسب، إذ يؤدي وظائف متعددة ضمن المحافظ الاستثمارية، من أبرزها الإسهام في التنويع، والتحوط المحتمل ضد المخاطر، والحفاظ على القيمة على المدى الطويل.

وفي نهاية المطاف يعتمد قرار شراء الذهب على أهداف المستثمر الاستثمارية، ومدى تقبله للمخاطر، وأُفقه الزمني للاستثمار. وبدلاً من التركيز فقط على تحركات الأسعار قصيرة الأجل.

صعود وهبوط

إنجي الفحام
إنجي الفحام

أما الدكتورة إنجي الفحام، الخبيرة الاقتصادية والمتخصصة في المعادن النفيسة، فتقول: «يتأثر الذهب بأكثر من عامل في الوقت نفسه، ولذلك أنا لا أستغرب أن نرى صعوداً قوياً، ثم فجأة تصحيحاً حاداً، حتى لو كان الاتجاه العام ما زال صاعداً.

وإذا أردنا أن نفهم حركة الذهب، فأول شيء أنظر إليه هو الفائدة الأمريكية. عندما تبدأ الأسواق تتوقع خفض الفائدة، يصبح الذهب عادةً أكثر جاذبية، لأنه في النهاية أصل لا يدر فائدة. والعكس يحدث عندما ترتفع الفائدة وعوائد السندات». وهناك عامل ثانٍ – تستطرد الفحام - هو الدولار الأمريكي.

حيث إن الذهب مسعّر بالدولار عالمياً، وبالتالي عندما يضعف الدولار غالباً نرى دعماً للذهب، وعندما يقوى الدولار قد يتعرض الذهب للضغط. أيضاً لدينا التضخم. والناس تاريخياً ينظرون إلى الذهب كوسيلة لحماية القوة الشرائية، خصوصاً عندما تكون هناك مخاوف من ارتفاع التضخم أو عدم استقرار العملات.

وتضيف : «هناك عامل أصبح مهماً جداً في السنوات الأخيرة، وهو مشتريات البنوك المركزية، خصوصاً من دول كبرى مثل الصين. وفي الربع الثاني من هذا العام وصلت مشتريات البنوك المركزية إلى نحو 289 طناً، وفق البيانات التي أوردتها رويترز.

ولا نستطيع أن نتحدث عن الذهب من دون أن نتحدث عن الأزمات الجيوسياسية؛ فالحروب والتوترات والأزمات المالية عادةً تزيد الطلب على الذهب باعتباره أصلاً دفاعياً. لكن هناك مفارقة مهمة: عندما تصبح الأزمة شديدة جداً، قد نرى الذهب نفسه يتعرض للبيع مؤقتاً، لأن المستثمرين يحتاجون إلى السيولة.

وهذا شيء شهدناه خلال العام الجاري. كذلك فإن العوائد الحقيقية على السندات والسيولة في الأسواق تعد عاملاً مهماً؛ فعندما ترتفع تقل جاذبية الذهب نسبياً، وعندما تنخفض، يحصل الذهب عادةً على دعم. ولدينا أيضاً صناديق الذهب ETF ودخول الأموال إلى هذه الصناديق يعني زيادة الطلب الاستثماري، وخروج الأموال منها قد يشكل ضغطاً على السعر».

وتلفت الفحام الانتباه إلى العرض والطلب الفعلي: مشتريات البنوك المركزية، والطلب الآسيوي، والمجوهرات، وإعادة تدوير الذهب محلياً ودولياً. ويضاف إلى كل ذلك أسعار النفط ووضع الممرات الملاحية، لأنها أصبحت عوامل مهمة في قراءة المشهد، خصوصاً مع تأثيرها في التضخم والتجارة العالمية والمخاطر الجيوسياسية.

لكن إلى أين يتجه الذهب؟.. تجيب الفحام: تقييمي حالياً أن الاتجاه طويل الأجل للذهب ما زال إيجابياً، لكن الطريق لن يكون مستقيماً؛ فسوف نرى تقلبات وتصحيحات، وربما تكون بعضها قوية. في أغسطس الجاري عاد الذهب إلى منطقة 4300–4650 دولار للأونصة تقريباً، بعدما هبط إلى أقل من 4000 دولار في يونيو.

وتستدرك الفحام قائلةً: لكن هذا لا يعني أن الذهب سوف يصعد بلا توقف؛ حيث يرى تقرير منتصف العام من World Gold Council أن الذهب قد يتحرك قريباً من مستوياته الحالية إذا بقيت الظروف الاقتصادية مستقرة، وقد يحصل على دعم أكبر إذا تباطأ الاقتصاد وانخفضت الفائدة. وفي المقابل إذا ارتفعت العوائد وقوي الدولار، فمن الممكن أن نشاهد تصحيحاً واضحاً.

وتؤكد: حتى البنوك الكبرى منقسمة؛ فهناك من يرى مستويات تصل إلى 6000 دولار، وهناك من يحذر من تصحيح أعمق. وهنا يأتي السؤال: كيف أشتري الذهب بطريقة لا تجعلني مضطراً إلى توقع القمة والقاع؟

أنا لا أعتقد أن هناك وقتاً مثالياً للشراء؛ فإذا كان هدفي الاستثمار طويل الأجل في الذهب الفعلي فلن أحاول انتظار «أرخص سعر ممكن»، لأن تحديد القاع بدقة شبه مستحيل.

والأفضل بالنسبة إليّ هو الشراء التدريجي؛ بمعنى أن أشتري بمبلغ ثابت شهرياً أو ربع سنوي، وأزيد مشترياتي عندما تحدث تصحيحات قوية بدلاً من أن أطارد السعر في أثناء الارتفاعات، وأن لا أضع كامل المبلغ الذي خصصته للذهب في عملية شراء واحدة، وأن أحتفظ دائماً بالفواتير المطابقة لمشترياتي، وأركز ليس فقط على سعر الذهب، وإنما أيضاً على المصنعية أو العلاوة وسهولة إعادة البيع.

حفظ القيمة

أحمد عنيزان
أحمد عنيزان

ويرى أحمد عنيزان، خبير بالأسواق المالية ومختص بالذهب والمعادن النفسية، أن الذهب يتأثر بمجموعة واسعة من العوامل الاقتصادية والسياسية، إلا أن تأثير هذه العوامل يختلف بين المديين الطويل والقصير.

فعلى المدى الطويل يبرز شراء البنوك المركزية للذهب كأحد أهم المحركات في ظل توجه عدد من الدول إلى تنويع احتياطياتها وتقليل الاعتماد على العملات الرئيسة.

ويضيف: «كما يستمد الذهب أهميته من كونه أصلاً يتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية؛ إذ لا يرتبط بشكل مباشر بجهة مالية أو سياسية بعينها؛ ما يعزز مكانته كأداة لحفظ القيمة والتحوط.

أما على المدى القصير فتتقدم التطورات الجيوسياسية والبيانات الاقتصادية وقرارات السياسة النقدية الأمريكية قائمة العوامل المؤثرة في الذهب».

ويستطرد: «الاتجاه العام للذهب ظل صاعداً بقوة، ولكن التحركات التي شهدتها الأسواق خلال الأشهر الثلاثة الماضية يمكن النظر إليها باعتبارها موجة تصحيح هبوطية، جاءت بالتزامن مع الضغوط التضخمية واستمرار صدور بيانات تشير إلى متانة الاقتصاد الأمريكي.

وقد منح ذلك مجلس الاحتياطي الفيدرالي مساحة لمواصلة التركيز على مكافحة التضخم والحفاظ على سياسة نقدية متشددة. لكن المشهد بدأ يتغير خلال الأسبوعين الأخيرين، مع ظهور مؤشرات على تباطؤ محتمل في الاقتصاد الأمريكي وارتفاع المخاوف من الركود.

وجاءت بيانات مبيعات التجزئة والتضخم وطلبات إعانة البطالة ضمن أبرز المؤشرات التي أعادت إلى الأسواق التساؤلات بشأن قدرة الاقتصاد على المحافظة على زخمه».

ومع تزايد إشارات الضعف الاقتصادي – يؤكد عنيزان - قد يجد الاحتياطي الفيدرالي نفسه أمام ضرورة إعطاء مخاطر الركود وزناً أكبر في قراراته المقبلة، حتى في حال استمرار بعض الضغوط التضخمية. وفي ظل هذا السيناريو يمكن أن تستفيد أسعار الذهب من توقعات التحول نحو سياسة نقدية أقل تشدداً.

استعادة المسار

يقول عنيزان: أظهر الذهب خلال الأسبوعين الماضيين مؤشرات على استعادة مساره الصاعد، بعدما نجح في اختراق مستويات مقاومة سابقة وتحويلها تدريجياً إلى مناطق دعم سعري.

وقد بدأت هذه الحركة من مستوى 4200 دولار، مروراً بـ4300 و4400، وصولاً إلى منطقة 4500 دولار التي كانت تمثل مقاومة مهمة قبل أن تتحول إلى مستوى دعم مع نهاية الأسبوع الماضي.

وفي حال استمرار البيانات الاقتصادية في دعم توقعات التباطؤ الأمريكي، مع محافظة الذهب على هيكله الفني الصاعد، فقد تتجه الأنظار خلال الفترة المقبلة نحو نطاق 4750 إلى 4800 كمستويات مستهدفة محتملة.

أما عن وجود وقت مثالي لشراء الذهب فقال عنيزان: بالنسبة إلى المستثمر الذي ينظر إلى الذهب باعتباره أداة تحوط طويلة الأجل وحافظة للقيمة، فإن محاولة تحديد السعر المثالي للدخول قد لا تكون العامل الأكثر أهمية؛ فالفكرة الأساسية من اقتناء الذهب في هذه الحالة، لا تقوم فقط على تحقيق عائد سريع، وإنما على الاحتفاظ بأصل قادر على أداء دور دفاعي ضمن المحفظة الاستثمارية.

وتدعم النظرة طويلة الأجل للذهب مكاسبه التاريخية؛ إذ حقق المعدن الأصفر خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة عائداً بمتوسط يقارب 10% سنوياً.

بينما شهد عام 2025 أداءً استثنائياً، مسجلاً ارتفاعاً وصل إلى نحو 70%، وتعزز هذه الأرقام النظرة إلى الذهب باعتباره أداة للتحوط وحفظ القيمة على المدى الطويل، وليس مجرد أصل للمضاربة على تحركات الأسعار قصيرة الأجل.

لذلك، فإن القرار الأهم لا يرتبط دائماً بالسؤال: «هل السعر الحالي هو الأفضل للشراء؟» بقدر ارتباطه بتحديد الهدف من امتلاك الذهب، وحجم الاستثمار، والأفق الزمني.

وفي النهاية، يبقى الذهب بالنسبة إلى المستثمر طويل الأجل أداة للتحوط وحفظ القيمة أولاً، واستثماراً لتحقيق العائد ثانياً، بينما تظل تحركاته قصيرة الأجل رهينة البيانات الاقتصادية والسياسة النقدية والتطورات الجيوسياسية.

خبراء:

مشتريات البنوك المركزية والفائدة والدولار ترسم مسار الذهب

الاتجاه طويل الأجل للذهب إيجابي.. لكن الطريق لن يكون مستقيماً

الطلب الاستثماري يقود الذهب خلال ما تبقى من عام 2026

الشراء التدريجي للذهب أفضل من انتظار السعر المثالي

مخاوف الركود تعزز بريق الذهب وتدعم موجة الصعود