تقف الأسواق المالية والاقتصاد العالمي عند مفترق طرق مع مرور ستة أشهر كاملة على اندلاع حرب إيران في 28 فبراير 2026، حيث نجحت المنظومة المالية العالمية في تنفيذ ما يشبه مشهداً من فيلم «مهمة مستحيلة» لتفادي السيناريوهات الكارثية القاتمة التي استبقت الصراع؛ إذ لم يقع الاقتصاد في ركود شامل رغم المخاطر الجيوسياسية الشديدة والقفزات المتتالية في أسعار الطاقة.
ورغم الانطلاقة المرعبة للحرب التي أربكت بورصة نيويورك بدخول مؤشري «داو جونز» و«ناسداك» مرحلة تصحيح وتسجيل «ستاندرد آند بورز 500» أسوأ أداء شهري له منذ عام 2022، أظهرت الأسواق العالمية مرونة استثنائية بدفع مباشر من القفزات الهائلة في قطاع الذكاء الاصطناعي التي رفعت مؤشر ناسداك بنسبة 27% ومؤشر ستاندرد آند بورز بنسبة 22% منذ أواخر مارس؛ ما مكّن المستثمرين الكبار من تحقيق أرباح قياسية بالتوازي مع اتجاه هذه المؤشرات لتسجيل رابع عام متتالٍ من المكاسب.
وعلى الجانب الآخر، تجلت الأضرار الهيكلية بوضوح في قطاع حركة الشحن والتجارة وسلاسل الإمداد نتيجة اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي الذي كان يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية.
فقد أدت المخاوف الأسبوعية وهجمات الاستهداف إلى تقليص عدد السفن العابرة إلى نحو 24 سفينة يومياً فقط، مقارنة بالمتوسط الاعتيادي البالغ 130 سفينة قبل الحرب.
وارتفعت أسعار خام برنت لفترات خاطفة لتلامس مستويات 120 دولاراً للبرميل قبل أن تستقر قرب 89 دولاراً للبرميل بفعل تكهنات حول ترتيبات الأمن المائي وإزالة الألغام، لكن السعر لا يزال أعلى بنحو 20% مقارنة بما قبل الصراع. واستتبع هذا الارتفاع ضغوط خانقة على قطاع الطيران والتنقل؛ إذ توقع الاتحاد الدولي للنقل الجوي قفزة بنسبة 70% في أسعار وقود الطائرات، ما أجبر شركات عالمية مثل «لوفتهانزا» على إلغاء عشرات الآلاف من الرحلات ودفع شركات أخرى مثل «سبيريت إيرلاينز» نحو الإفلاس.
تأتي هذه التحولات التضخمية في حين تتداخل السياسات النقدية لمجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي بلمحات تشديدية لمكافحة الغلاء مع محاولات التوصل لتسويات جانبية، من بينها المساعي الأمريكية لإبرام اتفاقيات نفطية طويلة الأجل مع فنزويلا لتعويض النقص وإتاحة الإمدادات للمصافي الآسيوية والعالمية.
وفي المقابل، تحول الموقف السياسي للبيت الأبيض؛ فبعد أن وُعد الشارع الأمريكي بـ «رحلة قصيرة» تستغرق أسابيع، امتد الصراع ستة أشهر وتكبدت واشنطن ميزانية تفوق 37.5 مليار دولار، ليتراجع الرئيس دونالد ترامب عن لهجة الحسم السريع، معلناً أنه «لست في عجلة من أمري» للتفاوض، ومحولاً الاستراتيجية العسكرية إلى «حصار وتضييق اقتصادي شاملين» جراء تراجع مخزون الذخائر الأمريكية، بالتوازي مع نشره ملصق ذكاء اصطناعي حمل شعار «تمت المهمة 2026» ليؤكد تقويض القدرات البحرية والجوية لإيران واستنزاف اقتصادها بتكلفة أضرار تجاوزت 270 مليار دولار.
وعكست ردود أفعال وسائل الإعلام الأمريكية التباين الحاد والتناقض الواضح بين الخطاب السياسي والواقع الاقتصادي الميداني، حيث كشفت «أسوشيتد برس» الرئيس ترامب يمر بلحظة صعبة مع تحول الحديث عن إنهاء سريع للحرب إلى استراتيجية عقوبات طويلة الأمد، في حين تستعيد وول ستريت عافيتها بفضل زخم الذكاء الاصطناعي متجاهلة ارتفاع تكاليف الوقود على المستهلكين.
وأكدت وكالة رويترز أن أسعار النفط تسجل تذبذبات حادة متأثرة بشائعات الاتفاقيات الجارية لإعادة فتح مضيق هرمز وتصريحات الفيدرالي الأمريكي، في وقت تستمر فيه حركة التدفقات النفطية بالتعافي المضطرب.
وقالت شبكة «سي بي إس نيوز» إن إعلان ترامب شعار «تمت المهمة 2026» عبر شبكات التواصل الاجتماعي يعيد إلى الأذهان الإعلانات المبكرة بالنصر في حروب سابقة، في حين تشير الأرقام إلى استمرار الخسائر وتراجع حركة المرور المائية لكسور بسيطة مقارنة بمعدلاتها الطبيعية.
وفي السياق ذاته أوضحت شبكة سي إن إن: «على الرغم من غياب القوات البرية الأمريكية في إيران، فإن التكلفة المالية للحرب وتناقص الذخائر يفرضان واقعاً جديداً يضغط على شعبية الإدارة الأمريكية قبل الاستحقاقات الانتخابية». أكدت صحيفة «واشنطن بوست» أن الاقتصاد العالمي يظهر صلابة غير متوقعة أمام أزمة مضيق هرمز، لكن المخاطر التضخمية المترتبة على أسعار وقود الطائرات والشحن البحري تظل تهديداً قائماً ومباشراً لقطاعات سلاسل الإمداد.

