تخيم تداعيات الضغوط الاقتصادية والجيوستراتيجية على أسواق الدين العالمية في وقت تشهد فيه قمة مجموعة العشرين المنعقدة في آشفيل بولاية كارولاينا الشمالية نقاشات حامية حول استقرار النظام المالي الدولي، حيث تحاول وزارة الخزانة الأمريكية كبح الارتفاع الحاد في عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل عبر تطبيق ما يُعرف بـ «عملية تويست مصغرة» تتضمن هذه الاستراتيجية مضاعفة حجم عمليات إعادة شراء السندات الحكومية طويلة الأجل التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً لتصل إلى نحو 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية، تمويلاً عبر إصدار أدوات دين قصيرة الأجل (أذون الخزانة)، في محاولة لإعادة بناء السيولة وإعادة رسم منحنى العائد الذي سجل أعلى مستوياته منذ عام 2007 تحت ضغوط الدين العام الأمريكي المتزايد وتكلفة الحرب على إيران والتضخم المستمر.
وعلى هامش قمة العشرين، يحاول وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت تحويل المناورات المالية المحلية إلى أدوات استقرار دولية، حيث يدفع باتجاه تنسيق مشترك مع بنك اليابان والحكومة اليابانية لدعم عملة الين وإيقاف تراجعها الحاد. وتهدف واشنطن من خلال هذا التنسيق المالي إلى وضع حد لاحتمالية قيام السلطات اليابانية باعتبارها أكبر دائن أجنبي يحمل ديناً حكومياً أمريكياً بتسييل مبيعات ضخمة من حيازاتها من سندات الخزانة للحصول على السيولة الدولارية، وهو السيناريو الذي كان سيؤدي في حال حدوثه إلى إغراق سوق السندات بمبيعات إضافية تفاقم أزمة الارتفاع في تكاليف الاقتراض.
تتكامل هذه الاستراتيجية المالية مع التحركات الطاقة الاستراتيجية للإدارة الأمريكية، وعلى رأسها الاتفاق الضخم المعلن للسيطرة والتصرف في كميات واسعة من الاحتياطي النفطي الفنزويلي بعقود ممتدة وتسييل حصص الإنتاج.
وتسعى واشنطن من خلال عائدات النفط الفنزويلي وإعادة تعزيز الاحتياطي البترولي الاستراتيجي إلى كبح جماح أسعار الطاقة والتضخم الذي يعرقل جهود خفض عوائد السندات، إذ يدرك صناع القرار في واشنطن أن كبح عوائد السندات وتفادي انهيار سوق الدين يمر حتماً عبر تهدئة توقعات التضخم وتوفير سيولة استراتيجية تدعم قدرة الخزانة على إعادة الهيكلة دون إثارة ذعر المستثمرين.
وقد حظيت هذه التحركات المالية والجيوسياسية المتشابكة بمتابعة واسعة وردود أفعال متباينة في وسائل الإعلام والدوائر المالية العالمية، حيث ركزت صحيفة «وول ستريت جورنال» على التفاعلات المباشرة لأسواق الدين، مشيرة إلى أن الخطوات الاستباقية لوزارة الخزانة خفضت عوائد السندات بشكل مؤقت، إلا أن الضغوط الهيكلية الناجمة عن العجز الفيدرالي الضخم المتجاوز تريليوني دولار، والتوسع في استثمارات الذكاء الاصطناعي، يضعان حدوداً لمدى نجاح التدخلات الحكومية في التحكم في المنحنى دون مساندة واضحة من السياسة النقدية.
ومن جانبها، تناولت شبكة «سي إن بي سي» ووسائل الإعلام الأمريكية أبعاد «تويست الخزانة»، موضحة أن لجوء إدارة ترامب لإعادة تنظيم آجال الدين وسحب السيولة طويلة الأجل يُعد مناورة امتصاص مؤقتة للضغوط، لا سيما مع سعي بيسنت للضغط في قمة آشفيل لضمان عدم لجوء الشركاء الدوليين للبيع المكثف لسندات الخزانة في غمرة التوترات الجيوسياسية والعسكرية مع إيران.
فيما سلطت التغطيات الأوروبية، وفي مقدمتها تحليل «دويتشه بنك» ونشرات «فايننشال تايمز»، الضوء على ما وصفتها بممارسات «الكبح المالي الناعم»، محذرة من أن هذه الآليات قد تُعالج الأعراض الجانبية وتحد من استمرار موجة البيع، لكنها لا تُعالج الجذور الأساسية المتمثلة في اتساع الدين الوطني، وارتفاع مخاطر استقلالية البنك المركزي، ومخاطر استمرار الصراع العسكري في الشرق الأوسط واضطراب ممرات الملاحة.
أما وسائل الإعلام اليابانية و«نيكاي» فقد ركزت على مفاوضات دعم الين في آشفيل، مشيرة إلى أن طوكيو تنظر بإيجابية إلى أي تنسيق يقلل من الضغوط على عملتها الوطنية دون اضطرارها لبيع السندات الأمريكية ذات الأجل الطويل، مشددة في الوقت نفسه على أن استدامة هذا الاستقرار تظل مرهونة بالمسار الاستراتيجي للأسعار العالميّة ومدى استقرار الإمدادات النفطية عقب اتفاقات واشنطن الأخيرة بشأن النفط الفنزويلي.


