«شي إن» تحت اختبار الأسواق.. أول طرح عام يكشف ثمن التحول من «قصة نمو» إلى شركة ناضجة

بدأت شركة «شي إن» للأزياء السريعة والتجارة الإلكترونية أولى جلسات تداولها في بورصة هونغ كونغ، اليوم الثلاثاء، تحت ضغط بيعي قوي، في اختبار مبكر لشهية المستثمرين تجاه واحدة من أشهر قصص النمو في التجارة الإلكترونية العالمية.
فإدراج «شي إن» لم يكن مجرد طرح لشركة أزياء إلكترونية، بل اختبار لنموذج تجارة عابرة للحدود بُني على الأسعار المنخفضة وسرعة التوريد. وبينما حصلت الشركة على نحو 1.7 مليار دولار من الأسواق، فإن هبوط السهم في بداية التداول يوضح أن المستثمرين باتوا يطالبون بقصة نمو جديدة تبرر قيمة الشركة، بعيداً عن أمجاد تقييم الـ100 مليار دولار.
وهبط سهم الشركة بنحو 10% في التعاملات المبكرة إلى 43.72 دولاراً هونغ كونغياً، مقارنة بسعر الطرح البالغ 48.56 دولاراً، قبل أن يقلص خسائره وينهي الجلسة قريباً من سعر الطرح. وجمعت «شي إن» نحو 13.6 مليار دولار هونغ كونغي، ما يعادل 1.7 مليار دولار، في الطرح، لتصل قيمتها السوقية عند الإدراج إلى نحو 26.5 مليار دولار.
100 مليار دولار.. إلى 26 ملياراً
ويكشف الطرح حجم التحول الذي طرأ على تقييم «شي إن» خلال أربع سنوات فقط. فقد بلغت قيمة الشركة في السوق الخاصة نحو 100 مليار دولار في 2022، قبل أن تتراجع إلى نحو 66 مليار دولار في جولة تمويل عام 2023، ثم إلى نحو 26.5 مليار دولار عند الطرح الحالي، أي انخفاض يقارب 70% عن ذروة التقييم.
ويرى محللون أن هذا التراجع لا يعكس فقط ظروف الأسواق، وإنما يعكس تحولاً في النظرة إلى نموذج أعمال الشركة، بعدما انتقلت من مرحلة النمو السريع في تجارة الأزياء منخفضة التكلفة إلى مواجهة تكاليف أعلى وهوامش أكثر تعرضاً للضغط ومنافسة شرسة من منصات مثل «تيمو» و«علي إكسبريس».
الرسوم الجمركية تضغط على النمو
وتزامن الطرح مع تغيرات كبيرة في البيئة التجارية العالمية. فقد أدى إلغاء الولايات المتحدة الإعفاء الجمركي المعروف باسم «دي مينيميس» للسلع منخفضة القيمة إلى زيادة الضغوط على نموذج «شي إن» القائم على شحن كميات ضخمة من الطلبيات الصغيرة مباشرة إلى المستهلكين.
كما اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوات مماثلة تجاه الواردات منخفضة القيمة، ما يهدد إحدى أهم المزايا التي بنت عليها الشركة قدرتها على تقديم الملابس بأسعار شديدة الانخفاض. وتضاف إلى ذلك زيادة تكاليف الخدمات اللوجستية والمنافسة المتصاعدة في التجارة الإلكترونية.
أول خسارة ربع سنوية
وتظهر الضغوط أيضاً في نتائج الشركة. فقد سجلت «شي إن» خسارة صافية قدرها 99 مليون دولار في الربع الأول من 2026، مقارنة بأرباح بلغت 395 مليون دولار قبل عام، فيما ارتفعت الإيرادات بنسبة 1.1% فقط إلى 9.05 مليارات دولار، في تباطؤ حاد مقارنة بمعدلات النمو السابقة. كما تراجع الدخل التشغيلي 25.9% إلى 258 مليون دولار.
ويضع ذلك المستثمرين أمام سؤال أساسي: هل تستطيع «شي إن» الحفاظ على حجمها العالمي مع ارتفاع تكلفة الوصول إلى المستهلك، أم أن مرحلة النمو السريع التي صنعت تقييم الـ100 مليار دولار أصبحت جزءاً من الماضي؟
لماذا اختارت هونغ كونغ؟
يمثل الإدراج أيضاً نهاية رحلة طويلة للشركة في البحث عن سوق مناسب للطرح. فقد حاولت «شي إن» في السابق التوجه إلى نيويورك ثم لندن، لكن التدقيق التنظيمي والسياسي وتعقيدات ارتباط الشركة بسلاسل توريدها في الصين عرقلت تلك المساعي، لتختار في النهاية هونغ كونغ.
وتتخذ «شي إن» من سنغافورة مقراً لها منذ 2021، لكنها لا تزال مرتبطة بقوة بقاعدة تصنيعها وسلسلة توريدها في الصين، وهو ما يجعل إدراجها في هونغ كونغ ذا دلالة خاصة على مستوى العلاقة بين رأس المال العالمي والشركات الصينية ذات الحضور الدولي.
طلب جيد.. لكن الثقة ليست كاملة
ورغم ضعف التداول في الجلسة الأولى، فإن الطرح نفسه لم يكن فاشلاً من ناحية الطلب. فقد جرى تغطية دفتر الطرح، بينما بلغت طلبات المستثمرين الأفراد نحو 5.6 مرات الأسهم المخصصة لهم، وبلغت طلبات المؤسسات 2.6 مرة، بحسب بيانات الطرح. كما التزم مستثمرون أساسيون، من بينهم «بويو كابيتال» و«تايغر غلوبال» و«جنرال أتلانتيك» و«تنسنت» و«يو بي إس»، بشراء أسهم في الطرح.
لكن حجم الدعم من المستثمرين الأساسيين كان أقل من المعتاد في بعض الطروحات الكبرى، وهو ما يعكس، وفق تحليلات نشرتها فايننشال تايمز، حذراً أكبر تجاه تقييم الشركة وآفاق نموها.
اختبار مؤجل في مارس 2027
ولن يكون أداء اليوم الأول وحده كافياً للحكم على نجاح الإدراج. فالمستثمرون الحاليون والأساسيون يخضعون لفترة حظر بيع تبلغ ستة أشهر، فيما تمتد القيود على مؤسسي الشركة إلى 24 شهراً.
وبالتالي، قد يمثل انتهاء فترة الحظر في مارس 2027 اختباراً أكثر أهمية للقيمة السوقية لـ«شي إن»، إذ ستتاح عندها للسوق مساحة أكبر لاختبار التقييم من خلال زيادة الأسهم المتاحة للتداول.
هونغ كونغ تستفيد رغم البداية المتعثرة
ورغم ضعف سهم «شي إن»، يأتي الإدراج في وقت تشهد فيه بورصة هونغ كونغ نشاطاً قوياً في سوق الطروحات العامة الأولية. وقد رفع طرح الشركة حصيلة الطروحات في المدينة خلال 2026 إلى أكثر من 45 مليار دولار، وفق بيانات بلومبرغ، ما يجعل العام الحالي بالفعل من أقوى أعوام سوق الإدراجات في هونغ كونغ.
وتعتزم «شي إن» استخدام أموال الطرح لتعزيز قدراتها التكنولوجية، وتوسيع حضورها العالمي، ودعم علامتها التجارية ومبادراتها المؤسسية. لكن التحدي الأكبر أمام الإدارة سيكون إقناع المستثمرين بأن الشركة قادرة على تحويل حجمها العالمي وسلسلة توريدها المتطورة إلى نمو وأرباح مستدامة في بيئة تجارية وتنظيمية أكثر صعوبة من تلك التي صنعت نجاحها الأول.