تشهد الأسواق المالية العالمية موجة اضطراب واسعة جراء عمليات بيع مكثفة في سوق السندات السيادية، ما ينذر بتداعيات اقتصادية وسياسية متسلسلة أثارت قلقاً بالغاً لدى قادة العالم ومسؤولي السياسات النقدية. وتعود جذور هذه الأزمة إلى ارتفاع العائد على أدوات الدين الحكومية قصيرة وطويلة الأجل إلى مستويات هي الأعلى منذ سنوات طويلة، إذ تجاوز عائد السندات الأمريكية لأجل 30 عاماً حاجز 5%، بينما وصلت عوائد السندات البريطانية والألمانية واليابانية إلى قمم قياسية لم تشهدها الأسواق منذ عدة عقود.
يعكس هذا التحول ضغوطاً متصاعدة ناتجة عن التوترات الجيوسياسية المتزايدة، وخاصة التصعيد العسكري والمواجهات البحرية في مضيق هرمز التي رفعت أسعار النفط والغاز وضاعفت مخاوف عودة موجات التضخم الفائق، بالإضافة إلى تراكم مستويات الدين العام لدى دول مجموعة السبع لتتجاوز 100% من الناتج المحلي الإجمالي، بالتوازي مع التوسع الهائل للبنوك والشركات التكنولوجية الكبرى في إصدار أدوات دين جديدة بتمويل أبحاث ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
تتزايد مخاوف الحكام وقادة القطاع المالي لأن السندات الحكومية تشكل حجر الزاوية لقياس تكلفة الاقتراض لكافة القطاعات؛ وارتفاع عوائدها يؤدي تلقائياً إلى زيادة الفائدة على التمويل العقاري، والديون الشخصية، وقروض الشركات، ما يهدد بوقف النمو الاقتصادي، فضلاً عن رفع كلفة خدمة الدين العام على الحكومات التي باتت تنفق جزءاً كبيراً من ميزانياتها المخصصة للخدمات والعمليات العسكرية على دفع فوائد الديون فقط.
وتجد البنوك المركزية حول العالم نفسها أمام معضلة معقدة؛ ففي الوقت الذي تبذل فيه سلطات الخزانة جهوداً لتهدئة الأسواق عبر إعادة شراء السندات طويلة الأجل وتوفير السيولة المباشرة، تُجبر الضغوط التضخمية الناجمة عن أسعار الطاقة المرتفعة البنوك المركزية وعلى رأسها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وبنك يابان وبنك إنجلترا على التمهل في خفض الفائدة أو التأهب لرفعها مجدداً، وهو ما يتعارض مع رغبة الحكومات في خفض كلفة الاقتراض وتقليل الانكماش الاستثماري.
وقد تابعت الصحافة العالمية هذه الأزمة بعناية فائقة محذرة من أبعادها الهيكلية؛ إذ أكدت صحيفة «واشنطن بوست» أن موجة بيع السندات تمثل اختباراً حقيقياً للاستقرار المالي العالمي، حيث إن تراكم الديون السيادية والتحولات الجيوسياسية يحدان من قدرة الحكومات على إدارة الأزمات دون التضحية بالنمو.
وأوضحت صحيفة «الغارديان» أن التوترات بين واشنطن وطهران ومخاوف التضخم تحث المستثمرين على المطالبة بعوائد أعلى لحمل الديون طويلة الأجل، ما يضغط مباشرة على ميزانيات الدول الأوروبية ويزيد خطورة الركود الاستثماري. وفي القراءة ذاتها، ذكرت صحيفة «فايننشل تايمز» أن صانعي السياسة النقدية باتوا محاصرين بين التضخم المتكرر وتهديدات سوق الدين المتصاعدة، مشيرة إلى أن استمرار ارتفاع العوائد يضع استراتيجيات البنوك المركزية أمام انكشاف مباشر لتقلبات الطاقة الدولية والحروب الاقتصادية المفتوحة.

