في وقت يقترب فيه العالم من أكبر تحول مالي في التاريخ الحديث، كشفت دراسة حديثة أصدرها بنك أوف أمريكا ونشرت تفاصيلها مجلة فورتشن، عن فجوة عميقة في الثقة بين كبار السن من أثرياء جيل «طفرة المواليد» وأبنائهم من أجيال الألفية والجيل X، فيما يتعلق بإدارة الثروات المنقولة واستمرار مسيرة العمل الخيري والعطاء الاجتماعي.
وتشير التقديرات المالية الدولية إلى أن ما يقارب 124 تريليون دولار من الأصول المالية والعقارية والاستثمارية في طريقها للتداول والانتقال عبر الأجيال خلال العقود القليلة المقبلة، وسط قفزة في التقديرات المالية تعود بالأساس إلى ارتفاع أسعار الأسهم والعقارات.
ومع ذلك، أظهر استطلاع بنك أوف أمريكا لعام 2026، والذي شمل مئات من العائلات فائقة الثراء، أن 47 % فقط من كبار السن الأثرياء يعتقدون أن ورثتهم مستعدون ومؤهلون لإدارة هذه الثروات الضخمة والحفاظ على النهج الخيري للعائلة.
بالرغم من المخاوف والقلق المستمر لدى الآباء، تؤكد البيانات الميدانية والتحليلات المرفقة بالتقرير واقعاً مغايراً كلياً؛ إذ لا يعكس شك الآباء عزوفاً من الشباب عن العمل الخيري، بل يعبر عن اختلاف جوهري في طبيعة وأسلوب العطاء نفسه. فقد كشفت البيانات أن المتبرعين من الأجيال الشابة يضخون أموالهم لصالح قضايا ومجالات أكثر تنوعاً واتساعاً مقارنة بآبائهم.
وبينما يميل جيل طفرة المواليد إلى دعم المؤسسات التقليدية مثل المستشفيات والجامعات والجمعيات الخيرية الكبرى، يركز الجيل الجديد على قضايا العدالة المناخية والاستدامة البيئية، والابتكار الاجتماعي، والاستثمار ذي الأثر المجتمعي، والتكنولوجيا وحقوق الإنسان الرقمية.
هذا التغير الهيكلي يجعل الجيل الأكبر سناً ينظر إلى هذه المناهج غير التقليدية بنوع من التشكيك، متوهمين أنها تفتقر إلى الانضباط أو المؤسسية التي بنوا عليها استراتيجياتهم المالية.
وتستند أرقام التقرير إلى أحدث بيانات مؤسسة سيرولي أسوشيتس وبنك أوف أمريكا، حيث يُتوقع أن يذهب ما يقرب من 18 تريليون دولار مباشرة إلى العمل الخيري والمنظمات غير الربحية، بينما ينتقل باقي المبلغ، البالغ نحو 106 تريليونات دولار، إلى الورثة المباشرين والشركاء. ويتصدر جيل «الجيل X» قائمة المستفيدين في الأجل القريب خلال السنوات العشر المقبلة، بينما يستحوذ جيل «الألفية» على النصيب الأكبر خلال الـ 25 عاماً المقبلة بنصيب يتجاوز 45 تريليون دولار.
وقد أثارت هذه المعطيات تفاعلاً واسعاً في الصحافة المالية والإعلام العالمي، حيث رصدت كبريات الصحف الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية لهذا الانقسام الأجيالي؛ إذ علقت صحيفة «فايننشال تايمز» بالإشارة إلى أن التشكيك الأجيالي في الثروة الخيرية يعكس أزمة أعمق في الاتصال العائلي وإدارة التخطيط العقاري، مؤكدة أن عجز كبار السن عن نقل فلسفتهم المالية للشباب يهدد بضياع جزء كبير من الثروات في صراعات قانونية وضريبية، ومشيرة إلى أن جيل الشباب لا يرفض العطاء بل يعيد تعريف مفهومه بما يتناسب مع اقتصاد القرن الحادي والعشرين.
ومن جانبها، ركزت شبكة «بلومبرغ» على البعد الاستثماري، مشيرة إلى أن الخوف من عدم جاهزية الورثة يدفع العائلات الثرية بشكل متزايد نحو اعتماد شروط وقيود صارمة عبر الصناديق الائتمانية، حيث يتجه نحو 41 % من الأثرياء لاستخدام آليات قانونية تمنع الورثة من التصرف المطلق في الأموال إلا بعد بلوغ سن معينة أو تحقيق أهداف استثمارية محددة. أما صحيفة «وول ستريت جورنال»، فقد تناولت الزاوية الثقافية للمشكلة، لافتة إلى أن أثرياء طفرة المواليد يعانون من حالة قلق بشأن استمرارية إرثهم العائلي، في وقت بات فيه الشباب أكثر ميلاً لإخضاع التبرعات والاستثمارات لمعايير البيئة والحوكمة والاستدامة، وهو ما يصطدم أحياناً بأسلوب الآباء القائم على تعظيم الأرباح أولاً ثم التبرع بجزء منها لاحقاً.
وفي السياق ذاته، أكدت مجلة «فوربس» في تحليلها أن حل هذه الفجوة يتطلب شفافية مالية أكبر وتعليماً مبكراً للورثة، موضحة أن عدم إفصاح العائلات عن الحجم الحقيقي لثرواتها لأبنائها خشية إفسادهم هو السبب الرئيسي في تدني نسبة الثقة إلى 47 %، داعية إلى إشراك الشباب في المجالس الاستشارية للمؤسسات الخيرية العائلية مبكراً. ويعكس التقرير في مجمله تحولاً تاريخياً مفصلياً في هيكلية الثروة العالمية، مؤكداً أن القلق بين الأجيال لا يعني توقف حركة العطاء الاجتماعي، بل إعادة تشكيلها وفق رؤى وأساليب تفرضها معطيات العصر الرقمي.


