دخلت صناعة الإعلام والترفيه العالمية مرحلة جديدة، بعد إتمام «باراماونت سكاي دانس» استحواذها على «وارنر براذرز ديسكفري» في صفقة ضخمة تعيد رسم خريطة هوليوود وتجمع تحت إدارة واحدة مجموعة من أشهر الاستوديوهات والمنصات والشبكات التلفزيونية في العالم.
وأُغلقت الصفقة رسمياً في 6 أكتوبر 2026، لتتحول «باراماونت سكاي دانس» إلى «سكاي دانس»، فيما أصبحت «وارنر براذرز ديسكفري» شركة تابعة مملوكة بالكامل للكيان الجديد. وتبلغ قيمة الصفقة 81 مليار دولار من حيث قيمة حقوق الملكية، فيما تصل قيمتها المؤسسية إلى نحو 110 مليارات دولار، وتقترب من 111 مليار دولار عند احتساب الديون.
ولم يكن ما حدث اندماجاً تقليدياً بين شركتين متساويتين؛ بل كان تتويجاً لمعركة استحواذ استمرت نحو عام، وجاءت بعد سباق محتدم مع «نتفليكس» على أصول وارنر، قبل أن ترفع باراماونت عرضها إلى 31 دولاراً للسهم نقداً وتخرج نتفليكس من المنافسة، ما مهّد لإبرام اتفاق نهائي بين الطرفين في فبراير 2026.
من «توب غَن» إلى «هاري بوتر»
تكمن القوة الرئيسة في الصفقة في ضخامة مكتبة المحتوى والأصول التي أصبحت تحت مظلة واحدة. فالكيان الجديد يجمع باراماونت بيكتشرز ووارنر براذرز، إلى جانب علامات واستوديوهات ومنصات تشمل إتش بي أو، إتش بي أو ماكس، باراماونت+، سي بي إس، سي إن إن وغيرها، كما أصبح يمتلك حقوق شخصيات وعلامات جماهيرية ضخمة مثل «هاري بوتر» و«باتمان» و«دي سي» و«توب غَن» و«مهمة مستحيلة» و«ذا غادفاذر».
هذه التركيبة تمنح «سكاي دانس» ما كانت تفتقده باراماونت وحدها: حجماً أكبر للمحتوى، وقاعدة أوسع من الجمهور، وامتداداً عالمياً في السينما والتلفزيون والبث الرقمي. وترى الشركة أن الجمع بين أصول الشركتين سيتيح لها المنافسة بصورة أكثر فعالية مع «نتفليكس» و«ديزني» و«أمازون»، بدلاً من مواجهة هذه الشركات بحجم أصغر.
والأهم أن الصفقة تدمج منصتي «باراماونت+» و«إتش بي أو ماكس» ضمن منصة بث موحدة مستقبلاً. وكانت الشركة قد قالت إن المنظومة المجمعة تضم أكثر من 200 مليون مشترك عالمي في خدمات البث المباشر للمستهلك، وإنها ستكون موجودة في أكثر من 100 دولة وإقليم، مع ضرورة احتساب التداخل بين المشتركين في الأرقام.
رهان على الحجم في عصر البث
الصفقة تأتي في وقت يشهد فيه نموذج أعمال التلفزيون التقليدي تراجعاً مستمراً، مع انتقال المشاهدين والإعلانات من شبكات البث والكابل إلى المنصات الرقمية. ولذلك فإن الهدف الحقيقي من الصفقة يتجاوز جمع مكتبتين من الأفلام والمسلسلات؛ إذ يتعلق ببناء حجم اقتصادي يسمح بتمويل المحتوى والتكنولوجيا والتسويق على نطاق أكبر.
وتتوقع «باراماونت» أن تحقق الشركة المجمعة إيرادات بنحو 69 مليار دولار في 2026 على أساس موحد متآزر، مع نحو 18 مليار دولار من الأرباح قبل الفوائد والضرائب والاستهلاك والإطفاء، وأكثر من 10 مليارات دولار من التدفقات النقدية، وفق تقديرات الشركة السابقة. كما تتوقع تحقيق أكثر من 6 مليارات دولار من أوجه التآزر والتوفير السنوي خلال ثلاث سنوات من إتمام الصفقة.
وتراهن الإدارة على أن يأتي الجزء الأكبر من الوفورات من مصادر غير عمالية، مثل دمج البنية التكنولوجية ومنصات البث، وتوحيد أنظمة تخطيط الموارد، والمشتريات، والعقارات، والخدمات المؤسسية، إلى جانب تحسين النفقات التشغيلية. وتقول الشركة إن برنامج التوفير لا يستهدف خفض الطاقة الإنتاجية لاستوديوهات الأفلام.
المشكلة الأكبر: الدين
تُظهر تقديرات «رويترز» أن الشركة المجمعة تحمل نحو 80 مليار دولار من الديون، ما يضع إدارة «سكاي دانس» أمام مهمة صعبة تتمثل في تحقيق الوفورات الموعودة، والحفاظ على الاستثمار في المحتوى، وفي الوقت نفسه تقليص الدين. وقد لجأت باراماونت قبل الإغلاق إلى حزمة تمويل ضخمة شملت سندات مضمونة بقيمة 41.4 مليار دولار، إضافة إلى 885 مليون يورو، وقروض لأجل بقيمة 8.5 مليارات دولار و850 مليون يورو.
وتشير تحليلات مالية إلى أن توقيت التمويل لم يكن مثالياً، مع ارتفاع تكاليف الاقتراض وتقلب سوق السندات، ما يزيد الضغط على الشركة الجديدة لتوليد تدفقات نقدية قوية وسريعة. ولذلك فإن نجاح الصفقة لن يقاس فقط بحجم المكتبة أو عدد المشتركين، بل بقدرة «سكاي دانس» على تحويل الحجم إلى أرباح وتدفقات نقدية وخفض المديونية.
وأعلنت باراماونت في وقت سابق هدفاً بخفض صافي الدين إلى الأرباح المعدلة قبل الفوائد والضرائب والاستهلاك والإطفاء إلى أقل من 3.75 مرات بحلول 2028 وإلى نحو 3 مرات في 2029، ما يوضح حجم المهمة المالية التي تنتظر الإدارة الجديدة.
سيطرة ورهان على القيادة المزدوجة
يقود الملياردير ديفيد إليسون، مؤسس «سكاي دانس» ونجل لاري إليسون، الكيان الجديد بصفته رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي، مع تعيين ينون كريز، الرئيس التنفيذي السابق لـ«ماتيل»، رئيساً تنفيذياً مشاركاً.
ويتركز دور إليسون في الاستراتيجية بعيدة المدى، والرؤية الإبداعية، والعلاقات مع المواهب، والشراكات، والتكنولوجيا وتخصيص رأس المال، فيما يتولى كريز الإدارة اليومية وقيادة عملية دمج الشركتين. ويأتي اختياره في محاولة للجمع بين الرؤية الإبداعية والخبرة التشغيلية والانضباط في إدارة التكاليف.
كما اختارت الشركة إبقاء عدد من الأسماء الرئيسة، بينها كيسي بلويز لقيادة المحتوى في أعمال البث المباشر، وجورج تشيكس في قطاع التلفزيون، فيما يواصل مارك تومسون قيادة «سي إن إن» وباري وايس قيادة أخبار «سي بي إس».
ملف يتجاوز الاقتصاد
من أكثر جوانب الصفقة حساسية استحواذ «سكاي دانس» على اثنتين من أبرز المؤسسات الإخبارية الأمريكية، «سي إن إن» و«سي بي إس نيوز».
وبموجب التسوية مع الولايات الأمريكية التي اعترضت على الصفقة، يتعين على الشركة إنشاء مجلس لاستقلالية التحرير لمتابعة العمليات الإخبارية في «سي إن إن» و«سي بي إس». ويتكون المجلس من خمسة صحفيين حاليين أو سابقين يتمتعون بخبرة لا تقل عن عشر سنوات. لكن خبراء وإعلاميين شككوا في مدى استقلالية المجلس وسلطاته الفعلية، خصوصاً أن أعضاءه يعينهم ويدفع لهم الكيان الجديد.
وفي الوقت نفسه، قال تومسون إنه سيحتفظ بمسؤولياته وصلاحياته التحريرية، وهو ما اعتبرته الشركة إشارة إلى استمرار هوية المؤسستين الإخباريتين ضمن الكيان الجديد.
كيف مرت الصفقة من بوابة المنافسة والتنظيم؟
كانت الصفقة تواجه عقبات قانونية وتنظيمية كبيرة. فقد رفعت 12 ولاية أمريكية دعوى لمنعها على أساس أن الجمع بين اثنين من استوديوهات هوليوود الكبرى سيؤدي إلى تقليص المنافسة وخيارات المستهلكين، فيما رفع اتحاد كتاب أمريكا دعوى منفصلة.
لكن الطرفين توصلا في سبتمبر إلى تسويات سمحت بالمضي قدماً. ومن أبرز الشروط التزام الشركة الجديدة بطرح 30 فيلماً سنوياً في دور السينما خلال أول عامين، و32 فيلماً سنوياً خلال السنوات الثلاث التالية، إلى جانب زيادة الإنفاق على إنتاج الأفلام في الولايات المتحدة بمقدار 1.5 مليار دولار خلال خمس سنوات، وتخصيص 47.5 مليون دولار لتدريب وتطوير العاملين المتضررين من الصفقة.
كما توصلت «باراماونت» إلى تسوية منفصلة مع اتحاد كتاب أمريكا تضمنت دفع 17.5 مليون دولار لصندوق الرعاية الصحية، والتعهد بعدم تسريح كتّاب الأخبار العاملين في «سي بي إس نيوز» خلال خمس سنوات.
المال الخليجي حاضر في الصفقة
أخذ تمويل الصفقة بعداً دولياً أيضاً، مع دخول مستثمرين من السعودية وقطر والإمارات ضمن التمويل عبر حصص غير مصوتة. وأظهرت وثائق لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية أن صندوق الاستثمارات العامة السعودي، وصندوق لِماد القابضة في أبوظبي، وهيئة قطر للاستثمار حصلت على حقوق شراء أسهم من الفئة «ب» غير المصوتة، بينما احتفظت عائلة إليسون و«ريد بيرد كابيتال» بالسيطرة على أسهم الفئة «أ» التي تمنح حقوق التصويت.
وأصبحت مشاركة المستثمرين الخليجيين موضع نقاش تنظيمي وسياسي في الولايات المتحدة، إلا أن هيكل الصفقة أبقى حقوق التصويت والسيطرة الإدارية لدى المجموعة الأمريكية المسيطرة، ما خفف من بعض مخاوف الملكية الأجنبية المباشرة.
هل ينجح العملاق الجديد؟
تمتلك «سكاي دانس» الآن ما يكفي من الأصول لتصبح منافساً أكثر وزناً في سوق عالمي تهيمن عليه «نتفليكس» و«ديزني» و«أمازون» ومنصات التكنولوجيا الكبرى. لكن الحجم وحده لا يضمن النجاح.
التحدي الأول هو دمج شركتين معقدتين دون إضعاف المحتوى أو فقدان المواهب. والتحدي الثاني هو تنفيذ وعد الـ6 مليارات دولار من الوفورات دون الإضرار بالإنتاجية والابتكار. أما التحدي الثالث فهو خفض الدين في سوق اقتراض مكلف، في الوقت الذي يتطلب فيه البث الرقمي إنفاقاً مستمراً على المحتوى والتكنولوجيا.
كما أن نجاح منصة البث الموحدة سيكون حاسماً؛ فوجود أكثر من 200 مليون مشترك إجمالي لا يعني 200 مليون مشترك فريد، كما أن المنافسة لم تعد تدور فقط حول عدد المشتركين، بل حول مدة المشاهدة، وتكلفة اكتساب العميل، ومعدل الاحتفاظ به، والإيرادات من كل مشترك والإعلانات.
في النهاية، تمثل صفقة «باراماونت–وارنر» أكثر من مجرد توسع لشركة إعلامية؛ فهي محاولة لإعادة بناء نموذج هوليوود في عصر تتحول فيه القيمة من امتلاك قناة تلفزيونية أو استوديو منفرد إلى امتلاك منظومة متكاملة من المحتوى والمنصات والبيانات والتوزيع والإعلانات.
وبهذا المعنى، فإن «سكاي دانس» تبدأ حياتها كواحدة من أكبر القوى الإعلامية الجديدة، لكنها تبدأ أيضاً بأعباء ضخمة: 80 مليار دولار تقريباً من الدين، و6 مليارات دولار من الوفورات المطلوبة، ومئات الملايين من المشتركين المحتملين، وأهم مكتبات المحتوى في العالم. والاختبار الحقيقي يبدأ الآن، بعد انتهاء معركة الاستحواذ وبدء معركة أكثر صعوبة: إثبات أن هذا الحجم يمكن تحويله إلى نمو وربحية ونفوذ مستدام في هوليوود الجديدة.
اندماج باراماونت ووارنر.. ولادة عملاق هوليوودي جديد تحت راية «سكاي دانس»

