تخفي المكاسب التي تحققها أسواق الأسهم العالمية، جانباً أكثر إثارة للقلق في المشهد المالي، مع استمرار الضغوط في أسواق السندات الحكومية، وارتفاع تكاليف الاقتراض، في وقت تتزايد فيه مخاوف التضخم بفعل أسعار الطاقة، وتتجه فيه الأنظار إلى قرارات البنوك المركزية ومسارات الدين العام.
ويرى محمد العريان، الخبير الاقتصادي وكبير المستشارين الاقتصاديين السابق في مجموعة «أليانز»، أن التباين بين أداء الأسهم والسندات، يكشف عن اختلاف في تقييم المستثمرين للمخاطر، فبينما تواصل الأسهم الأمريكية الاستفادة من التفاؤل بأرباح الشركات، لا سيما شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، تعكس سوق السندات قلقاً متنامياً من استمرار ارتفاع العوائد، وتراجع جاذبية الديون الحكومية، في ظل الأوضاع المالية الراهنة.
وفي نشرته الأسبوعية حول الاقتصاد والأسواق العالمية، المنشورة عبر منصته على «Substack»، عنوان The Weekly Look at the Global Economy and Markets، أشار العريان إلى أن صمود الأسهم في مواجهة ارتفاع عوائد السندات، لا يعني أن الأسواق المالية أصبحت بمنأى عن المخاطر، بل قد يعكس اختلافاً في توقيت استيعابها بين فئات الأصول. وتُظهر التطورات الأخيرة أن ارتفاع تكلفة الأموال بات عاملاً مؤثراً في قرارات المستثمرين، وتقييماتهم للأصول المالية.
عوائد مرتفعة تضغط على الأسهم
وتعكس تحركات الأسواق خلال الأسبوع الماضي هذا التباين بوضوح. فقد ارتفعت الأسهم الأمريكية والأوروبية في ختام تعاملات الجمعة 9 أكتوبر، رغم استمرار عوائد سندات الخزانة الأمريكية عند مستويات مرتفعة، وبقاء أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل.
وبحسب «رويترز»، صعد عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى 5.261 %، يوم الجمعة، بعدما سجل أعلى مستوى له في نحو 24 عاماً خلال الأسبوع. وفي المقابل، ارتفع مؤشرا «ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك» بنحو 0.6 % لكل منهما، في جلسة الجمعة، فيما حققت الأسهم الأوروبية مكاسب بلغت 1 %.
ويعني ارتفاع عوائد السندات أن الحكومات والشركات تواجه تكلفة أكبر لتمويل احتياجاتها، كما يزيد العائد المتاح على أدوات الدين جاذبيتها مقارنة بالأسهم، خصوصاً لدى المستثمرين الذين يبحثون عن عوائد مستقرة نسبياً. كذلك، يؤدي ارتفاع معدلات الخصم المستخدمة في تقييم الشركات إلى الضغط على القيمة الحالية لأرباحها المستقبلية، وهو ما يجعل أسهم النمو والتكنولوجيا أكثر حساسية لتحركات الفائدة.
وتبرز هذه المخاطر بصورة أكبر في الشركات التي تعتمد تقييماتها على توقعات بتحقيق أرباح كبيرة في المستقبل، أو التي تحتاج إلى تمويل ضخم لتوسيع أعمالها. ومع تزايد الاستثمارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات والرقائق المتقدمة، تصبح تكلفة رأس المال عاملاً حاسماً في تحديد مدى استدامة الإنفاق والعوائد المتوقعة منه.
التضخم والطاقة يعقدان حسابات الفائدة
ويأتي ارتفاع عوائد السندات في وقت لا تزال فيه أسعار الطاقة تمثل مصدراً رئيساً للقلق. فقد استقرت أسعار خام برنت عند نحو 104 دولارات للبرميل في تعاملات الجمعة، وفق «رويترز»، وسط مخاوف من استمرار اضطرابات الإمدادات والتوترات الجيوسياسية.
ويمكن لارتفاع أسعار النفط أن ينتقل إلى الاقتصاد، عبر زيادة تكاليف النقل والإنتاج والكهرباء، بما يحد من تراجع التضخم، أو يعيد الضغوط السعرية إلى الواجهة. وإذا استمرت هذه الضغوط، فقد تجد البنوك المركزية نفسها أمام معادلة أكثر صعوبة، إذ يتعين عليها كبح التضخم، من دون التسبب في تباطؤ اقتصادي حاد.
وتترقب الأسواق في هذا السياق بيانات التضخم الأمريكية، وغيرها من المؤشرات الاقتصادية، بحثاً عن إشارات توضح اتجاه السياسة النقدية. فاستمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، قد يدفع المستثمرين إلى تأجيل توقعاتهم بشأن خفض الفائدة، بينما قد تفتح البيانات الأضعف من المتوقع، المجال أمام تيسير نقدي لاحق.
ولا يقتصر أثر هذه المعادلة على الولايات المتحدة، إذ تنتقل تحركات عوائد السندات الأمريكية إلى الأسواق العالمية، بحكم مكانة سندات الخزانة مرجعاً رئيساً لتسعير الأصول، وتحديد تكلفة التمويل. كما أن ارتفاع العوائد في الاقتصادات الكبرى، قد يزيد الضغوط على الدول والشركات الأكثر اعتماداً على الاقتراض.
الدين العام يعيد تسعير المخاطر
وتتجاوز الضغوط الحالية توقعات أسعار الفائدة، لتشمل مخاوف بشأن الأوضاع المالية للحكومات، وقدرتها على إدارة ديونها. فمع ارتفاع الاحتياجات التمويلية، وتزايد كلفة خدمة الدين، يطالب المستثمرون بعوائد أعلى للتعويض عن المخاطر، خصوصاً عندما تتراجع الثقة في قدرة الحكومات على ضبط العجز المالي، أو وضع مسار واضح للدين العام.
وتبدو فرنسا إحدى أبرز بؤر القلق في أوروبا، إذ تزايد التدقيق في مستويات الدين والعجز وآفاق الموازنة العامة، بالتزامن مع حالة عدم اليقين السياسي قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في 2027.
وأفادت «رويترز» بأن الفارق بين عائد السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات، ونظيرتها الألمانية، بلغ نحو 138 نقطة أساس في 9 أكتوبر، في مؤشر إلى العلاوة الإضافية التي يطلبها المستثمرون للاحتفاظ بالديون الفرنسية، مقارنة بالسندات الألمانية.
وفي بريطانيا، حذر محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، في 8 أكتوبر، من أن التحركات الأخيرة في أسواق السندات تبتعد عن المستويات الطبيعية، مشدداً على أهمية وجود سياسات مالية موثوقة، تعيد الثقة في قدرة الحكومات على ضبط أوضاعها المالية. وأشار إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، قد يجعل مهمة السيطرة على التضخم أكثر صعوبة.
وفي السياق نفسه، قال العريان، وفق ما نقلته «رويترز» عن مؤتمر في لندن، إن السؤال الأساسي الذي تطرحه سوق السندات حالياً، يتمثل في تحديد العامل الذي يمكن أن يوقف موجة التراجع، سواء كان تدخلاً فنياً، أو إجراءً على مستوى السياسات، في ظل غياب إجابة واضحة عن هذا السؤال.
الذكاء الاصطناعي تحت اختبار تكلفة التمويل
وفي الوقت الذي تدعم فيه رهانات الذكاء الاصطناعي أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى، فإن التوسع في بناء مراكز البيانات وتطوير الرقائق والبنية التحتية الرقمية، يرفع أيضاً احتياجات الشركات إلى التمويل. ومع ارتفاع العوائد، تصبح المشروعات الجديدة أكثر كلفة، ويزداد تركيز المستثمرين على قدرة الشركات على تحويل الإنفاق الضخم إلى إيرادات وأرباح فعلية.
ولا يعني ذلك بالضرورة انتهاء موجة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، لكنه يزيد أهمية التمييز بين الشركات التي تمتلك تدفقات نقدية قوية، وقدرة على تمويل التوسع، وتلك التي تعتمد بدرجة أكبر على الاقتراض، أو على توقعات نمو مستقبلية لم تتحقق بعد.
وتشير تحركات الأسواق إلى أن المستثمرين باتوا أكثر انتقائية في تقييم الأصول، إذ لم يعد التفاؤل بالتكنولوجيا وحده كافياً لتجاهل ارتفاع تكلفة رأس المال والمخاطر المرتبطة بالديون.
وبذلك، فإن التباين بين الأسهم والسندات لا يمثل مجرد اختلاف مؤقت في أداء فئتين من الأصول، بل يعكس اختباراً أوسع لقدرة الأسواق على التوفيق بين توقعات نمو الشركات، ومخاطر التضخم، وارتفاع تكاليف الاقتراض، والضغوط المالية الحكومية. وستظل بيانات التضخم وأسعار الطاقة وموسم نتائج الشركات، من أبرز العوامل التي تحدد ما إذا كانت الأسهم قادرة على مواصلة الصعود، أم أن ارتفاع العوائد سيبدأ في فرض ضغوط أكبر على تقييماتها.
محمد العريان: صعود الأسهم لا يخفي عاصفة السندات ومخاطر التضخم

