يشهد قطاع السينما والإنتاج الوثائقي في الولايات المتحدة، خلال موسم الخريف الحالي، ظاهرة غير مسبوقة، تتمثل في اقتحام حياة أبرز عمالقة التكنولوجيا وأقطاب المال والأعمال للشاشات الكبيرة، عبر أعمال درامية ووثائقية ترصد كواليس حياتهم وإمبراطورياتهم الرقمية الضخمة، التي تُقدر ثرواتهم المجتمعة بنحو 1.3 تريليون دولار.
وقد أثارت هذه الموجة الواسعة تفاعلات حادة ومتباينة في أوساط الإعلام الأمريكي، تتأرجح بين الإشادة النقدية الكبيرة بصناعة السينما وبين الاتهامات الحادة بالتحيز وانعدام الدقة من قِبل الشخصيات المعنية نفسها،
فقد تصدر إيلون ماسك، أغنى رجل في العالم وأول تريليونير، واجهات الأخبار مع انطلاق عرض الفيلم الوثائقي الموسع «ماسك»، الذي أخرجه الحائز جائزة الأوسكار أليكس جيبني، ومدته نحو أربع ساعات. وحظي العمل بإشادة واسعة من النقاد، محققاً تقييماً كاملاً بنسبة 100% على منصة «روتن توميتوز»، حيث وصفته مجلة «هوليوود ريبورتر» بأنه ضربة عبقرية إبداعية، تُبرز قطب التكنولوجيا بصورة مصابة بجنون العظمة بلا خجل.
في المقابل قوبل الفيلم بهجوم عنيف وغير مسبوق من ماسك، الذي وجه وابلاً من الانتقادات الحادة للمخرج عبر منصة «إكس»، واصفاً إياه بـ«العمل المُغرض» و«حثالة الأرض»، ومستاء من اختيار طاقم المقابلات، الذي ضم شخصيات مقربة ومنفصلة عنه، بينما التزم المخرج الرد بتقديم محاولات تواصل لم تُقابل بأي تجاوب.
وفي السياق ذاته يبرز التفاعل المغاير لـسام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي، الذي انتقد بصراحة تصويره في الفيلم الروائي «Artificial»، الذي يتناول أزمة إقالته الشهيرة عام 2023.
وأشار ألتمان في حوار مع مجلة «فانيتي فير» إلى أن صناع الفيلم لا يسعون للواقعية بل لصناعة فيلم جيد فقط، نافياً صحة تفاصيل درامية مثل امتلاكه مخبأ للأسلحة النارية، ومبدياً في الوقت ذاته إعجابه بأداء الممثل أندرو غارفيلد في محاكاة تفاصيل حركة مشيه، في مشهد طريف تخلله تبادل تلويح الأيدي من أمام منزله مع فريق الإنتاج.
وعلى صعيد الأعمال الأخرى المعروضة هذا الخريف يواجه فيلم «الحساب الاجتماعي»، وهو الجزء الثاني لروائع فيلم «الشبكة الاجتماعية»، الذي يجسد فيه جيريمي سترونج شخصية مارك زوكربيرغ وسط تسريبات تتعلق بأضرار شبكات التواصل الاجتماعي، مراجعات نقدية متباينة بنسبة 56 % على «روتن توميتوز»، في حين آثر زوكربيرغ الصمت العلني تجاه العمل، مكرراً نهجه التاريخي في انتقاد المعالجات السينمائية السابقة، التي مست إمبراطوريته «ميتا» وقدرت ثروته بنحو 246 مليار دولار، كما تبرز في المشهد السينمائي قصة انهيار شركة ثيرانوس ومؤسستها إليزابيث هولمز عبر الفيلم الوثائقي «يمكنك رؤية كل شيء» للمخرج ناثان فيلدر، الذي نال تقييماً كاملاً بنسبة 100 % بعد مشاركة هولمز الطوعية، واستضافتها لصناع العمل قبل بدء فترة عقوبتها الفيدرالية وتلاشي ثروتها بالكامل.
تعكس هذه الظاهرة المتنامية في هوليوود والصحافة الأمريكية تحول حياة قادة التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي إلى مادة خصبة، تترنح بين التوثيق الفني الجريء والجدل القانوني والشخصي المحتدم، ما ينبئ بموسم سينمائي طويل ومثير للجدل حول حدود المسؤولية والموضوعية في نقل كواليس أثرياء العالم.


