بريطانيا تخشى التحول إلى «زبون للذكاء الاصطناعي» وتسعى لبناء قدرات تقنية مستقلة

يتصاعد القلق في بريطانيا من أن تتحول البلاد إلى مستهلك للتقنيات المتقدمة التي تطورها شركات أجنبية، بدلاً من أن تكون طرفاً مؤثراً في صناعتها وتوجيه مستقبلها، في تحذير يعكس اتساع المنافسة العالمية على الذكاء الاصطناعي، وانتقالها من سباق تطوير النماذج إلى صراع أوسع على البنية التحتية والبيانات والمهارات والقيمة الاقتصادية.
وحذر مجلس العلوم والتكنولوجيا، وهو هيئة استشارية مستقلة تقدم المشورة للحكومة البريطانية في سياسات العلوم والتكنولوجيا، من مخاطر تحول المملكة المتحدة إلى «زبون مرتفع القيمة للذكاء الاصطناعي»، داعياً إلى تحرك عاجل لبناء قدرات محلية تعزز استقلال البلاد الاستراتيجي وتمنحها قدرة أكبر على الاستفادة من التكنولوجيا وتوجيه استخدامها.
وفي رسالة إلى كانيشكا نارايان، وزير الذكاء الاصطناعي، شدد المجلس على أن القرارات المتخذة في المرحلة الراهنة ستحدد قدرة بريطانيا على تحقيق المكاسب الاقتصادية وتحسين الخدمات العامة، مع الحفاظ على المرونة والقدرة على اتخاذ قرارات مستقلة في قطاع بات يرتبط بصورة متزايدة بالتنافسية الاقتصادية والأمن القومي.
ويتمحور التحذير حول معادلة استراتيجية: كيف يمكن لبريطانيا الاستفادة من أحدث النماذج والتطبيقات التي تطورها الشركات العالمية، مع تجنب الاعتماد المفرط عليها في القطاعات الحيوية، وبناء قاعدة محلية من الخبرات والتقنيات والبنية التحتية تتيح لها الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة التي يولدها الذكاء الاصطناعي؟
ويأتي ذلك في وقت تتركز فيه حصة كبيرة من سوق النماذج المتقدمة والحوسبة السحابية لدى شركات تكنولوجية عالمية، خصوصاً الأمريكية، ما يثير مخاوف لدى الحكومات من أن يؤدي الاعتماد على عدد محدود من الموردين إلى تقليص قدرتها على التحكم في تكاليف الخدمات الرقمية، وضمان استمراريتها، وتحديد شروط استخدامها وتطويرها.

أربع ركائز للسيادة في الذكاء الاصطناعي
حدد المجلس في توصياته أربع ركائز لتعزيز قدرة بريطانيا على التحكم في مسارها التقني، تبدأ بوضع خطة وطنية واضحة للسيادة في الذكاء الاصطناعي، تستند إلى تقييم شامل للمنظومة المحلية، وتحديد المجالات التي تمتلك فيها البلاد مزايا تنافسية، وتلك التي تحتاج فيها إلى تطوير قدرات جديدة أو ضمان الوصول الآمن إلى التقنيات الأجنبية.
وتتمثل الركيزة الثانية في تعزيز الحوكمة والتنسيق الحكومي، عبر تحديد مسؤوليات واضحة وآلية موحدة لاتخاذ القرارات المتعلقة بالاستثمار والتطوير والتعاون الدولي، بما يمنع تشتت الجهود بين الجهات الحكومية ويضمن توجيه الموارد إلى المجالات ذات الأولوية الاستراتيجية.
أما الركيزة الثالثة، فتتمثل في الاستثمار في الأسس طويلة الأجل للقدرات المحلية، بما يشمل تطوير المهارات البشرية، وتوفير البيانات عالية الجودة، وتعزيز الثقة العامة في أنظمة الذكاء الاصطناعي، إلى جانب دعم المؤسسات والقدرات التقنية التي تتيح تحويل الأبحاث إلى تطبيقات عملية ذات قيمة اقتصادية.
وتدعو الركيزة الرابعة إلى الجمع بين الاحتفاظ بإمكانية الوصول إلى النماذج العالمية المتقدمة وبناء قدرات بريطانية مختارة، بدلاً من السعي إلى تطوير جميع التقنيات محلياً مهما ارتفعت تكلفتها. ويعكس هذا التوجه إدراكاً بأن السيادة التقنية لا تعني الانغلاق عن الأسواق العالمية، وإنما امتلاك خيارات كافية تتيح للدولة حماية مصالحها ومواصلة الابتكار عند تغير الظروف الاقتصادية أو الجيوسياسية.

نموذج بريطاني لخدمة الباحثين والشركات
ومن المقترحات التي أثارت الاهتمام استكشاف إمكانية تطوير نموذج للذكاء الاصطناعي يخضع لإدارة عامة، ويكون متاحاً للباحثين والشركات الناشئة ومؤسسات الخدمات العامة. ويمكن لمثل هذا النموذج أن يوسع فرص الوصول إلى التكنولوجيا، ويدعم الأبحاث والتطبيقات المتخصصة، ويمنح المؤسسات البريطانية مساحة أكبر لتطوير حلول تتناسب مع احتياجاتها.
كما دعا المجلس إلى اختبار أنظمة الذكاء الاصطناعي في قطاعات حيوية، من بينها الأمن القومي والصحة والتعليم، بما يساعد على تقييم قدرتها على تقديم فوائد فعلية، والتحقق من موثوقيتها ومدى ملاءمتها للاستخدامات الحساسة قبل توسيع نطاق الاعتماد عليها.
وتكتسب هذه المقترحات أهمية لأن المنافسة لا تتعلق بمجرد امتلاك نموذج لغوي متقدم، بل ببناء منظومة متكاملة تشمل القدرة الحاسوبية والبيانات والكوادر المتخصصة والتمويل والجهات القادرة على تحويل الابتكار إلى خدمات ومنتجات قابلة للاستخدام والتوسع.

البنية التحتية للحوسبة.. نقطة الاختبار الرئيسية
يمثل توفير القدرة الحاسوبية أحد أبرز التحديات أمام طموحات بريطانيا، إذ تحتاج النماذج المتقدمة إلى مراكز بيانات ومعالجات متخصصة وكميات كبيرة من الطاقة، إلى جانب استثمارات مستمرة في الأبحاث والبرمجيات والكوادر القادرة على تشغيل هذه المنظومة.
وكانت الحكومة البريطانية قد وضعت بالفعل خريطة طريق لتطوير قدرات الحوسبة، تتضمن استثمارات تصل إلى ملياري جنيه إسترليني في منظومة الحوسبة البحثية العامة، إلى جانب تعزيز البنية التحتية اللازمة لأبحاث الذكاء الاصطناعي وتوسيع قدرة الباحثين والمبتكرين على الوصول إلى الموارد الحاسوبية. ويأتي تحذير المجلس ليؤكد أن وجود خطط استثمارية لا يكفي وحده، ما لم تترجم إلى قدرات عملية تدعم البحث والتطوير وتساعد الشركات المحلية على المنافسة.
وتبرز هنا معضلة اقتصادية، فبناء نماذج تنافس أكثر الأنظمة تقدماً يتطلب موارد مالية وتقنية ضخمة، في حين أن الاعتماد الكامل على النماذج الأجنبية قد يحد من قدرة المؤسسات المحلية على تطوير خبراتها الخاصة والاحتفاظ بجزء أكبر من العائد الاقتصادي.
ولهذا فإن المسار الذي يقترحه المجلس لا يقوم على منافسة الشركات العالمية في جميع المجالات، وإنما على تحديد الاستخدامات التي يمكن لبريطانيا تطوير حلول محلية فعالة لها، والاستفادة من النماذج العالمية في المجالات الأخرى، مع الحفاظ على بدائل موثوقة تقلل مخاطر الاعتماد على مورد واحد.

من استهلاك التكنولوجيا إلى امتلاك القيمة الاقتصادية
تتجاوز تداعيات هذا الملف الجانب التقني إلى سوق العمل والإنتاجية والاستثمار، فالدول التي تستضيف عمليات البحث والتطوير وتدريب النماذج وتطبيقها تستطيع بناء خبرات متخصصة، وجذب الاستثمارات، وتطوير شركات جديدة، وخلق فرص عمل ذات قيمة مضافة. أما الدول التي تقتصر مشاركتها على شراء الخدمات الجاهزة، فقد تستفيد من تحسين الكفاءة، لكنها تواجه تحدياً في بناء قاعدة محلية مستدامة من المعرفة والملكية الفكرية والخبرات.
وتزداد أهمية هذا التوازن مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في الصحة والتعليم والخدمات الحكومية والأمن، حيث لا تتعلق المسألة بتكلفة الاشتراك في أداة تقنية فحسب، بل أيضاً باستمرارية الوصول إليها، وحماية البيانات، والقدرة على تقييم مخرجاتها، وضمان توافر بدائل عند حدوث اضطرابات في الإمدادات التقنية أو تغير شروط الاستخدام.
ولا يعني ذلك أن الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية يمثل خطراً في حد ذاته، فالتعاون الدولي يتيح الوصول إلى ابتكارات قد يكون تطويرها محلياً مكلفاً أو غير عملي، لكن المخاطر ترتفع عندما تصبح الخيارات محدودة، أو تتراكم الاعتمادية في خدمات لا تتوافر لها بدائل مناسبة.

هل تستجيب الحكومة للتحذيرات؟
نشر مجلس العلوم والتكنولوجيا توصياته في 19 أكتوبر 2026، ولم تكن الحكومة قد قدمت رداً فورياً عليها، وفقاً لـ«رويترز»، ولذلك تظل المقترحات توصيات استشارية، وليست قرارات حكومية معلنة أو برنامجاً تنفيذياً معتمداً.
وسيكون الاختبار الفعلي في قدرة الحكومة على تحويل هذه التوصيات إلى أولويات استثمارية واضحة، وتحديد الجهات المسؤولة عن التنفيذ، وقياس أثر الإنفاق على المهارات والبيانات والحوسبة والابتكار المحلي.
في المحصلة، يعكس التحذير البريطاني تحول الذكاء الاصطناعي إلى أحد ملفات التنافسية الاقتصادية والاستقلال الاستراتيجي، فلم يعد السؤال مقتصراً على مدى سرعة تبني التكنولوجيا، بل أصبح يتعلق بمن يطورها، ومن يمتلك القدرات اللازمة لتشغيلها، ومن يحتفظ بالقيمة الاقتصادية الناتجة عنها.
وبالنسبة إلى بريطانيا، فإن تجنب التحول إلى مجرد «زبون للذكاء الاصطناعي» لا يتطلب الانعزال عن الشركات العالمية، بل بناء منظومة محلية قوية بما يكفي للمنافسة في المجالات الواعدة، والتعاون في المجالات الأخرى، وضمان أن تظل البلاد قادرة على الاختيار والتطوير والاستفادة من التكنولوجيا وفقاً لأولوياتها الاقتصادية والعامة.