تحت سهوب آسيا.. اكتشاف كنز نادر يُشعل سباق المعادن العالمي

في قلب سهوب كازاخستان الشاسعة، كشف التنقيب الأخير عن كنز معدني فريد من نوعه، قد يعيد رسم خريطة المعادن الأرضية النادرة على مستوى العالم. على مدى عقود، عُرفت هذه الأراضي بإنتاج الفحم والنفط والنحاس، لكن ما لم يُكشف عنه إلا مؤخرًا هو وجود احتياطيات ضخمة من 17 عنصراً أساسياً للصناعات الحديثة، من الهواتف الذكية إلى السيارات الكهربائية وأنظمة الدفاع المتقدمة.

يُعتبر موقع كاراغاندي المكتشف حديثا بمثابة كنز استراتيجي، إذ يضع كازاخستان ضمن نخبة الدول القليلة التي تمتلك موارد هائلة من العناصر الأرضية النادرة، إلى جانب الصين والبرازيل. وتشير التقديرات الأولية إلى أن المخزون الخام قد يصل إلى 20 مليون طن، مع تركيزات عالية تجعل المنطقة محورًا محوريًا للصناعات التكنولوجية العالمية.

الإعلان، الذي جاء في أبريل 2025 قبيل قمة إقليمية في سمرقند، أشار إلى احتياطيات تُقدّر بنحو 935 ألف طن متري من أكاسيد العناصر الأرضية النادرة، مع احتمالات أن يمتد المخزون إلى 20 مليون طن من الخام على أعماق تصل إلى 300 متر. وتشمل هذه العناصر معادن حيوية مثل السيريوم واللانثانوم والنيوديميوم والإيتريوم، وهي مكونات أساسية في الهواتف الذكية والمركبات الكهربائية وأنظمة الدفاع المتطورة.

لكن الطريق من الاكتشاف إلى الإنتاج ليس قصيرا. فبحسب خبراء التعدين، لا يمكن اعتبار الموقع رواسب مؤكدة قبل استكمال دراسات الهيدروجيولوجيا والجدوى الاقتصادية وتقييم تقنيات الاستخراج. هذه العملية قد تمتد لسنوات، خاصة أن تطوير منجم بهذا الحجم قد يستغرق بين 10 و12 عاما، ويتطلب استثمارات بمليارات الدولارات، فضلًا عن إنشاء مرافق فصل ومعالجة لا تمتلكها البلاد حاليًا.

أهمية الاكتشاف لا تكمن في حجمه فقط، بل في توقيته أيضا. فالعالم يسعى إلى تقليل اعتماده على الصين التي تهيمن على نحو 70% من الإنتاج العالمي للعناصر الأرضية النادرة وأكثر من 85% من قدرات التكرير، وفق تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية. وفي حال تأكدت الأرقام الكازاخية، فقد تضع البلاد في المرتبة الثالثة عالميا بعد الصين والبرازيل من حيث حجم الاحتياطيات.

كازاخستان بدورها عملت خلال السنوات الأخيرة على تحديث تشريعات التعدين لجذب الاستثمارات الأجنبية، وأصدرت آلاف رخص الاستكشاف والإنتاج، مستقطبة شركات دولية كبرى. غير أن التحديات اللوجستية تبقى قائمة، فالبلاد غير ساحلية، ما يجعل تصدير المعادن يعتمد على ممرات تجارية طويلة مثل الممر الأوسط عبر بحر قزوين والقوقاز نحو أوروبا، وفقا لموقع "dailygalaxy".

حتى الآن، لم يُمنح الموقع تصنيفا رسميا كرواسب مكتملة، ومن المتوقع استمرار الدراسات حتى نهاية 2026. وبين التفاؤل الحذر والطموح الاستراتيجي، تقف كازاخستان أمام فرصة تاريخية، إما أن تتحول إلى لاعب محوري في سوق المعادن النادرة، أو أن يبقى الاكتشاف وعدًا جيولوجيًا ينتظر التحقق.