النمو البريطاني يدفع فاتورة تراكم الإهمال

يعلم الجميع أن المملكة المتحدة تعاني مشكلة مزمنة في النمو. واليوم، يؤكد رئيس الوزراء ووزير المالية الجديدان رغبتهما في معالجة هذه المشكلة، لكن السؤال يبقى حول مدى جديتهما في اتخاذ الإجراءات اللازمة.

فالشواهد على أداء الحكومات المتعاقبة خلال السنوات الأخيرة تكشف تردداً واضحاً، رغم أن ما تحتاج إليه بريطانيا لتهيئة بيئة تسمح للشركات بالازدهار وتمنح الاقتصاد فرصة حقيقية للنمو معروف إلى حد كبير.

وأي سياسة جادة لمعالجة المشكلة يجب أن تبدأ بالتعامل مع الإهمال الذي أدى إلى تراكم نقص الاستثمارات، وإنهاء حالة الشلل التي تسببت فيها منظومة تنظيمية فوضوية تعرقل البناء وتخنق الشركات الصغيرة.

كما يتعين معالجة البيئة غير المشجعة للعمل وريادة الأعمال، التي أوجدتها أنظمة ضريبية واجتماعية معقدة.

ويجب أيضاً وضع حد لقصر النظر الذي حال دون توفير بيئة مالية وسياسية مستقرة على المدى الطويل، مع نقل المزيد من صلاحيات اتخاذ القرارات الاستثمارية من الحكومة المركزية في «وايت هول» إلى السلطات المحلية في المدن.

وإزالة هذه العقبات تمثل شرطاً أساسياً لإحراز تقدم حقيقي، ولهذا السبب أسست، بالتعاون مع اقتصاديين وقادة أعمال وشخصيات من المجتمع المدني، «تحالف الازدهار 2030»، بهدف التركيز على هذه العوائق التي تقف أمام النمو.

ويعكس إهمال الاستثمار، وفشل الحكومة في الاستثمار في المستقبل أو توفير البيئة المناسبة للقطاع الخاص، عمق التحديات القائمة.

فعلى مدى الأعوام الثلاثين الماضية، تراجعت مستويات الاستثمار السنوي في بريطانيا بنحو 3 % من الدخل القومي مقارنة بدول مثل فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة.

وهذا التراجع المستمر على مدى عقود يعني أن الفجوة في مخزون رأس المال بين بريطانيا وهذه الدول لم تعد تقاس بمليارات الجنيهات الإسترلينية، وإنما بالتريليونات.

ورغم أن مستويات الاستثمار العام تعافت قليلاً مقارنة بأسوأ مستوياتها قبل ثلاثة عقود، وهو ما يُحسب لوزيري المالية الأخيرين، فإن فجوة تراكمية هائلة لا تزال قائمة.

ويضاف إلى ذلك ضعف كفاءة جزء كبير من الاستثمارات، إذ إن تكلفة بناء الطرق والسكك الحديدية والجسور ومحطات الطاقة في بريطانيا أعلى بكثير من معظم الدول الأخرى.

كما يزيد تقلب السياسات وغياب اليقين من صعوبة التخطيط طويل الأجل، فهل يستطيع أي مستثمر التخطيط بثقة لمشروع مثل المدرج الثالث لمطار هيثرو؟

ويمثل تقلب السياسات أحد أسباب استمرار ضعف استثمارات القطاع الخاص، فقد شهدت بريطانيا تعديلات شبه سنوية في ضريبة الشركات والرسوم العقارية التجارية، وهما مرتفعان بالفعل بالمقاييس الدولية.

كما تشكل الزيادة في تكاليف الكهرباء الصناعية مثبطاً رئيسياً للاستثمار، فيما تضر ضريبة الدمغة المفروضة على تداولات الأسهم بأسواق الأسهم البريطانية.

ورغم أن المدخرات التقاعدية الضخمة تمثل قوة استثمارية محتملة، فإن الإخفاقات التنظيمية السابقة وغياب الاندماج المناسب لا يزالان يحولان دون الاستفادة الكاملة منها.

وتنعكس مستويات الاستثمار المنخفضة مباشرة على المواطنين، خصوصاً من خلال النقص الحاد في المعروض السكني، فعدد الوحدات السكنية لكل فرد في بريطانيا أقل من نظيره في دول مماثلة، ما يحد من قدرة أكثر المدن ازدهاراً على التوسع والنمو بسبب ضعف البناء.

والمشكلة لا تكمن في انخفاض البناء الحكومي، وإنما في تراجع البناء من جانب القطاع الخاص نتيجة القواعد والقيود التنظيمية التي تفرضها الحكومة. وهذه القضية لا ترتبط بمفهوم النمو الاقتصادي وحده، بل تمس مستوى معيشة المواطنين بصورة مباشرة.

وتظهر مشكلة الإهمال أيضاً في صورة أخرى من الإخفاقات الحكومية، فالقيود التنظيمية المفروضة على البناء، إلى جانب ارتفاع تكاليف الطاقة، تقلص الاستثمارات.

كما أن التركيز المتزايد على المدى القصير في صنع السياسات يدفع الحكومة إلى تحويل الإنفاق الرأسمالي نحو الميزانيات الجارية.

وعند المفاضلة بين منح الناس أموالاً لإنفاقها اليوم وبين الاستثمار في بناء مستقبل أفضل، تميل الحكومات إلى الخيار الأول.

وهذا التفكير قصير الأجل لا يضر بالاستثمار الحكومي فحسب، بل يعيق القطاع الخاص أيضاً، فيما يمثل تردي البنية التحتية في بعض المناطق نتيجة مباشرة لطبيعة الدولة المركزية.

لقد كان الالتزام السياسي بتنفيذ المشروعات طويلة الأجل لصالح الأجيال المقبلة جزءاً أساسياً من ثقافة الحكم في بريطانيا، لكنه تراجع اليوم.

فنحن نعيش إلى حد كبير على ثمار جهود تاريخية سابقة، من الكاتدرائيات ومبنى البرلمان إلى الأنفاق وخطوط السكك الحديدية والمجمعات السكنية الكبرى التي شُيدت في أوائل القرن العشرين، فضلاً عن تأسيس مدينة ميلتون كينز والجامعات العريقة.

ولم يمضِ وقت طويل منذ كان هذا النوع من التفكير يمثل المفهوم السائد للحكم الرشيد والاستعداد للمستقبل. أما اليوم، فإذا سألت عامة الناس، فلن تجد لديهم الإيمان نفسه بقدرتنا على إنجاز مشروعات كبرى، لا سيما مشروع السكة الحديدية فائقة السرعة،.

كما يجدون صعوبة في رؤية الصلة بين هذه المشروعات وبين تحسن مستوى معيشتهم وازدهارهم. ومن هنا تصبح إعادة ترسيخ هذه القناعة واستعادة القدرة على التفكير والاستثمار على المدى الطويل ضرورة ملحة لبريطانيا.