بدءاً من المخاوف المتصاعدة حول إمدادات الطاقة في الشرق الأوسط في أسوأ سيناريوهاتها، وصولاً إلى المخاطر المستجدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والروبوتات المستقلة.
إلا أنه حتى مع انعكاس مسار هذه البرامج والاتجاه نحو التشديد النقدي، لا تزال الديناميكية نفسها هي التي تحكم حركة الأسواق.
أبرزها التضخم المدفوع بارتفاع أسعار النفط، وقوة نمو الاقتصاد الأمريكي التي تتطلب الإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة لكبح جماحه، إلى جانب تفاقم مستويات الاستدانة الحكومية.
يضاف إلى ذلك ظهور منافس جديد للحكومات على جذب تدفقات المستثمرين، يتمثل في شركات التكنولوجيا الكبرى التي أصبحت تصدر أدوات دين خاصة بها.
فقد قفز عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات، وهو المؤشر المالي الأكثر أهمية في العالم، متجاوزاً مستوى 5 %، وهو مستوى لم يبلغه منذ عام 2007.
بل وواصل صعوده في إحدى جلسات هذا الأسبوع ليلامس 5.22 %، بزيادة تتجاوز نقطة مئوية كاملة عن مستواه في بداية العام. وقد لا يبدو هذا التغير كبيراً لغير المختصين، لكنه بالنسبة لمستثمري السندات يمثل تحولاً زلزالياً.
ولا تضاهيها في السنوات الأخيرة إلا الصدمة القاسية والسريعة التي أعقبت إعلان دونالد ترامب عن الرسوم الجمركية في أبريل من العام الماضي.
والمفارقة أن هذا الارتفاع الحاد لم يأتِ نتيجة حادث كارثي، بل عقب صدور بيانات إيجابية لمسوح أنشطة الأعمال، لتقفز العوائد فوراً وبشكل مفاجئ.
ويبدو أن العديد من هذه الصناديق لم تتوقع هذا الارتفاع الحاد في العوائد، ما دفعها إلى التدافع السريع نحو منافذ الخروج وتصفية مراكزها.
غير أن حدوث ذلك في سوق سندات الخزانة الأمريكية يعد أمراً نادراً للغاية، ويفتح الباب أمام تداعيات وموجات ارتدادية واسعة النطاق.
فقد يضطر مديرو صناديق التحوط والمضاربون الذين تكبدوا خسائر جراء هذه الاضطرابات إلى تصفية استثمارات ورهانات لا علاقة لها بسوق السندات إطلاقاً، لضمان استمرار عملياتهم ولتلبية طلبات استرداد الأموال من المستثمرين.
وتتزايد المخاطر تحديداً من احتمال تراجع صفقات تمويل الاستثمار بالفرق بين الفوائد، أو «تجارة الفروق السعرية».
وأضاف هالبيني أن الأسواق قد تكون على وشك رؤية هزة ستمتد لتطال أسواق العملات وفئات الأصول الأخرى.
فالاقتصاد الأمريكي يسير بخطى قوية، كما أن معدلات التضخم المرتفعة نسبياً تخفف عملياً عبء الدين العام. ورغم أن تكاليف الاقتراض المرتفعة تشكل ضغطاً، إلا أن الاقتصاد الأمريكي قادر على استيعابها.
فالمملكة المتحدة تستعد لميزانية جديدة وسط وصول تكلفة الاقتراض القياسي إلى نحو 5.4 %، وهي مشكلة لم تتسبب فيها بريطانيا بمفردها، لكنها تضع قيوداً صارمة على خياراتها السياسية والمالية.
وهو مؤشر مقلق على تجزؤ مالي يعيد لأذهان الخبراء المخضرمين أهوال أزمة الديون التي عصفت بمنطقة اليورو في العقد الماضي. ومن المرجح أن تتجاوز مؤشرات الأسهم الكبرى صدمة سندات الخزانة التي شهدتها الأسواق هذا الأسبوع.
حيث واصلت الأرباح القوية للشركات وزخم استثمارات الذكاء الاصطناعي تقديم الدعم لأسواق الأسهم من حيث توقفت برامج البنوك المركزية. ورغم أن المستثمرين قد يشعرون بوجود الخلل، إلا أنهم لا يجدون سبباً لإنهائه حالياً.
إلا أن اضطرابات سوق السندات اعتادت أن تشعل الحرائق في أماكن خفية يصعب رصدها مبكراً، ما يستدعي توخي أقصى درجات الحذر واليقظة.

