يعرف كثيرون هذا المشهد جيداً: مجموعة من الأشخاص يجلسون في المكان نفسه، لكن شخصاً واحداً ينتهي مغطى بلدغات البعوض بينما يخرج الآخرون تقريباً دون أثر، ولسنوات، بدا الأمر وكأنه مجرد حظ سيئ، لكن الدراسات العلمية الحديثة تشير إلى أن “مغناطيس البعوض” ظاهرة حقيقية بالفعل.
وأظهرت أبحاث من جامعة روكفلر الأميركية أن بعض الأشخاص قد يكونون أكثر جاذبية للبعوض بما يصل إلى 100 مرة مقارنة بغيرهم، بسبب تركيبة كيميائية محددة في الجلد.
الرائحة وليس "الدم الحلو"
رغم انتشار الاعتقاد الشعبي بأن البعوض يفضّل أصحاب “الدم الحلو”، فإن العلماء يقولون إن العامل الأساسي هو الرائحة التي ينتجها الجلد، فالبعوض يعتمد على مزيج من ثاني أكسيد الكربون، وحرارة الجسم، والروائح الكيميائية المنبعثة من الجلد لتحديد هدفه التالي.
ووجد الباحثون أن الأشخاص الذين ينتجون مستويات مرتفعة من “الأحماض الكربوكسيلية” على بشرتهم يكونون أكثر جذباً للبعوض، وهي مركبات تنتجها البكتيريا الطبيعية الموجودة على الجلد عند تفاعلها مع الزيوت البشرية.
الميكروبيوم الشخصي يتحكم في جاذبيتك
اللافت أن الأمر لا يتعلق بالنظافة الشخصية فقط، بل بما يُعرف بـ”الميكروبيوم الجلدي”، أي مجتمع البكتيريا الفريد الموجود على جلد كل إنسان.
ويرى العلماء أن اختلاف هذه البكتيريا من شخص لآخر يفسر لماذا يبدو بعض الناس أكثر “إغراءً” للبعوض من غيرهم.
كما أظهرت الدراسات أن هذه الجاذبية تبقى ثابتة نسبياً مع الوقت، ما يعني أن الشخص الذي يجذب البعوض اليوم سيظل على الأرجح يجذبه بعد سنوات أيضاً.
عوامل أخرى
الأبحاث تشير أيضاً إلى وجود عوامل إضافية قد تجعل بعض الأشخاص أكثر عرضة للدغات:
- الحمل، بسبب ارتفاع حرارة الجسم وزيادة ثاني أكسيد الكربون الخارج مع التنفس
- الملابس الداكنة، لأن البعوض ينجذب بصرياً للألوان الداكنة والأحمر والبرتقالي
- بعض أنواع الصابون والعطور، التي قد تغير كيمياء الرائحة الشخصية
اقتصاد عالمي خلف "الحكة"
ورغم أن الموضوع يبدو بسيطاً، فإن لدغات البعوض تقف خلف سوق عالمي ضخم.
فوفق تقديرات صناعية، تتجاوز قيمة سوق منتجات مكافحة البعوض والحشرات عشرات المليارات من الدولارات عالمياً، مدفوعة بارتفاع الأمراض المنقولة عبر البعوض مثل الملاريا وحمى الضنك وزيكا.
كما تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الأمراض المنقولة عبر الحشرات تتسبب بأكثر من 700 ألف وفاة سنوياً، ما يجعل فهم سلوك البعوض قضية صحية واقتصادية عالمية، وليس مجرد إزعاج صيفي.
هل يمكن "إخفاء" رائحتنا مستقبلاً؟
العلماء اليوم لا يحاولون فقط فهم سبب انجذاب البعوض لبعض الأشخاص، بل تطوير حلول تعتمد على تعديل الروائح البشرية نفسها.
ويجري العمل على أبحاث لتطوير كريمات أو بروبيوتيك جلدي يمكنه تغيير الميكروبيوم وتقليل المركبات التي تجذب البعوض.
وفي عالم ترتفع فيه درجات الحرارة وتتوسع فيه المناطق الحارة بسبب التغير المناخي، يبدو أن “حرب البشر والبعوض” لن تكون مجرد معركة موسمية بعد الآن، بل ملفاً صحياً واقتصادياً طويل الأمد.
