المكملات الغذائية.. ما يحتاجه الجسم لا ما يروّجه الترند

لا تبدأ قصة المكملات من الرفوف، بل من الشاشة. كبسولة تعد بالطاقة، مسحوق يَعِد بالنوم العميق، قطرة تسوّق للشباب الطويل، ومنشور قصير يجعل منتجًا ما يبدو كأنه مفتاح الصحة كله. لكن وسط هذا الضجيج، يطرح سؤال أكثر بساطة وأهمية: هل يحتاج الجسم الخليجي فعلًا إلى ما ينتشر على "تيك توك" و"إنستغرام"، أم أن احتياجاته الحقيقية أقل لمعانًا وأكثر علمية؟

وفقًا لمقال نشرته "وايرد" فإن سوق مكملات "طول العمر" و"مقاومة الشيخوخة" يتقدم على العلم بنحو عشر سنوات، أي أن المنتجات التي تُباع اليوم بوصفها وعودًا صحية كبرى لا تملك دائمًا أدلة كافية توازي قوة تسويقها.

الفكرة الأساسية التي يطرحها المقال أن المشكلة ليست في المكملات كلها، بل في الفجوة بين ما يحتاجه الناس فعلًا وما تدفعه الخوارزميات إلى الواجهة. فالمكمل الأكثر انتشارًا ليس بالضرورة الأكثر فائدة.

سوق يتضخم

لم تعد المكملات في الخليج سوقًا هامشيًا، فبحسب "قراند فيو ريسيرج"، قُدّر حجم سوق المكملات الغذائية في دول مجلس التعاون بنحو 1.72 مليار دولار في 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 3.19 مليار دولار بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 10.7% بين 2025 و2030.

ويشير التقرير نفسه إلى أن الفيتامينات استحوذت على 31.3% من السوق في 2024، وأن مكملات البالغين مثلت 62.2% من الطلب، بينما كانت الأقراص الشكل الأكثر انتشارًا بنسبة 31.4% من الإيرادات.

هذه الأرقام تعني أن المكملات لم تعد قرارًا صحيًا فرديًا فقط، بل أصبحت صناعة كاملة تتغذى على الوعي الصحي، والخوف من الأمراض المزمنة، والرغبة في الوقاية، وانتشار التجارة الإلكترونية.

ووفقاً لتقرير "موردور انتلجنس"، بلغ سوق المكملات في الشرق الأوسط وأفريقيا 3.24 مليار دولار في 2025، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 4.67 مليار دولار بحلول 2031. كما يشير التقرير إلى أن الفيتامينات والمعادن قادت السوق بحصة بلغت 65.72% في 2025، ما يكشف أن الطلب الأكبر ما زال على العناصر الأساسية لا على المنتجات الأكثر ضجيجًا.

شمس كثيرة وفيتامين د قليل

من المفارقات الصحية في الخليج أن المنطقة الغنية بالشمس تعاني من نقص واسع في فيتامين د. ورغم وفرة الضوء طوال العام، فإن أنماط الحياة الحديثة، والعمل في الأماكن المغلقة، والحرارة العالية التي تدفع الناس إلى تجنب الشمس، واستخدام الملابس المغطية، كلها عوامل تجعل التعرض الفعلي لأشعة الشمس أقل مما يتخيله البعض.

وفقًا لمراجعة منهجية وتحليل تلوي نُشر عام 2025 عن نقص فيتامين د في الدول العربية، فإن نحو 75.5% من البالغين في العالم العربي لديهم مستويات منخفضة من فيتامين د، بينما صُنّف 51.4% منهم ضمن فئة النقص، و36.2% ضمن النقص الشديد. هذه الأرقام تجعل فيتامين د واحدًا من أكثر الملفات الصحية إلحاحًا في المنطقة، لا لأنه "ترند"، بل لأنه مشكلة مثبتة ومتكررة في الدراسات.

وفي الإمارات تحديدًا، وجدت دراسة منشورة عن البالغين أن نحو 73% من العينة عانوا من نقص فيتامين د. هذه النسبة تشرح لماذا لا تكفي عبارة "نحن نعيش في بلد مشمس" لتفسير الصحة الفعلية للسكان. فالشمس موجودة، لكن نمط الحياة قد يحجب أثرها.

حاجة الجسد

إذا استبعدنا ضجيج المنتجات الفيروسية، فإن الصورة تصبح أوضح: أكثر ما يحتاجه كثيرون في الخليج ليس بالضرورة مكملات "التركيز الخارق" أو "العمر الطويل"، بل تصحيح النواقص الأكثر شيوعًا، وعلى رأسها فيتامين د، وأحيانًا الحديد، وفيتامين ب12، والكالسيوم، والمغنيسيوم، وأحماض أوميغا-3، بحسب العمر، والنظام الغذائي، والفحوصات، والحالة الصحية.

لكن القاعدة الأهم أن المكمل لا يجب أن يبدأ من إعلان، بل من فحص أو حاجة واضحة. فالحديد مثلًا قد يكون مهمًا لمن يعاني نقصًا مثبتًا، لكنه قد يسبب مشكلات إذا أُخذ بلا داعٍ.

وفيتامين ب12 قد يكون ضروريًا للنباتيين أو لمن لديهم مشاكل امتصاص، لكنه ليس حاجة عامة لكل الناس. وأوميغا-3 قد يكون مفيدًا لمن لا يتناولون الأسماك بانتظام، لكنه ليس بديلًا عن نظام غذائي متوازن.

السؤال الصحي الأهم ليس: ما المكمل الجديد؟ بل: ما النقص الحقيقي؟ فهناك فرق بين مكمل يعوض فجوة غذائية، ومكمل يبيع وعدًا كبيرًا بلغة علمية براقة.

الترند قبل الدليل

تنتشر مكملات مثل الكولاجين، وNMN، وNAD+، والمركبات المرتبطة بطول العمر، والمغنيسيوم بأشكاله المختلفة، ومشروبات البروتين، ومساحيق "الديتوكس"، لأنها سهلة التسويق.

صور جميلة، ووعود واضحة، وتجربة شخصية قصيرة: "استخدمته أسبوعين وتغيرت حياتي". لكن العلم لا يعمل بهذه السرعة.

المشكلة أن كثيرًا من المكملات الرائجة لا تُباع كغذاء مساعد، بل كحل شامل: نوم أفضل، بشرة أجمل، طاقة أعلى، عمر أطول، مزاج أحسن.

وهذه اللغة تجذب المستهلك لأنها تقدم الصحة بوصفها منتجًا سريعًا. لكن بحسب خبراء الصحة والتغذية، فإن المكملات لا تستطيع تعويض النوم السيئ، أو قلة الحركة، أو الأكل غير المتوازن، أو التوتر المزمن. هي قد تساعد في حالات محددة، لكنها لا تصنع صحة كاملة وحدها.

نمط الحياة

ما يجعل سوق المكملات قابلًا للنمو ليس نقص عنصر واحد فقط، بل نمط حياة كامل، حيث أن نمو سوق المكملات في دول يرتبط بارتفاع الوعي الصحي، والرغبة في الوقاية من أمراض مثل السمنة والسكري وأمراض القلب، إلى جانب زيادة الدخل وانتشار التجارة الإلكترونية. وهذا يعني أن المستهلك لا يشتري المكمل لأنه مريض فقط، بل لأنه يريد أن يمنع المرض، أو يشعر بسيطرة أكبر على صحته.

لكن الوقاية لا تبدأ دائمًا من العلبة. تبدأ من النوم، والغذاء، والحركة، والتعرض الآمن للشمس، والفحوصات الدورية. والمكمل، حين يكون ضروريًا، يأتي بعد ذلك لا قبله. فالإنسان لا يحتاج إلى رف كامل من المنتجات ليكون بصحة أفضل، بل يحتاج غالبًا إلى معرفة ما ينقصه بدقة.

سلعة شخصية

تدفع وسائل التواصل الناس إلى التعامل مع الصحة كأنها مشروع تحسين دائم. كل أسبوع يظهر منتج جديد، وكل شهر تظهر "روتين صباحي" أو "كبسولة لا أستغني عنها". ومع الوقت، يشعر المستهلك أن عدم شراء المكمل يعني أنه متأخر عن صحته. هنا يصبح الخوف أداة تسويق قوية.

و حيث يتقاطع الدخل المرتفع نسبيًا مع ثقافة الرفاه والتجارة الإلكترونية وسرعة انتشار المؤثرين، يجد سوق المكملات بيئة خصبة. فالمنتج يصل بسرعة، والإعلان يصل أسرع، والثقة أحيانًا تُبنى على عدد المتابعين لا على قوة الدليل العلمي.

لكن هذه البيئة تحتاج إلى وعي مضاد: ليس كل ما يُسوّق على أنه طبيعي آمن، وليس كل منتج مستورد أفضل، وليس كل ما يناسب مؤثرًا يناسب جسدك. فالمكملات قد تتداخل مع أدوية، وقد تكون جرعاتها عالية، وقد تحمل ادعاءات أكبر من فائدتها.