يعود بعض الأميركيين من عطلاتهم الأوروبية حاملين مفارقة تبدو عصية على التفسير، فقد تناولوا الخبز والمعكرونة والجبن والحلوى وتخلوا مؤقتاً عن حساب السعرات، ومع ذلك أصبحت ملابسهم أوسع وشعروا بخفة ونشاط أكبر.
وتحولت هذه التجارب الشخصية إلى ظاهرة على منصات التواصل الاجتماعي وإلى فكرة يصفها البعض باسم «حمية أوروبا».
ويقوم الادعاء على أن الطعام الأوروبي أفضل للصحة والوزن، أو أن مكوناته تختلف جذرياً عن نظيرتها الأميركية.
ولكن قد يكون التفسير الأبسط موجوداً في الطريق الذي قطعه المسافر سيراً للوصول إلى المطعم، وليس في طبق المعكرونة نفسه، ففي مدن أوروبية كثيرة تصبح الحركة جزءاً طبيعياً من يوم السائح، فهو يمشي إلى محطة القطار ويتنقل بين الشوارع والساحات والمتاحف ويصعد السلالم ويمضي فترات أطول واقفاً ويكتشف المدينة على قدميه.
لا تبدو هذه الأنشطة تمريناً رياضياً منظماً، لكنها ترفع إجمالي الحركة اليومية مقارنة بنمط الحياة المعتاد المعتمد على السيارة.
حركة يومية
وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، يسهم التنقل النشط مثل المشي وركوب الدراجة في خفض خطر الإصابة بالسمنة والسكري من النوع الثاني وأمراض القلب، إضافة إلى فوائده للصحة النفسية وجودة الحياة.
وتشير المنظمة إلى أن تصميم الشوارع بطريقة تشجع على المشي وركوب الدراجات يضيف النشاط البدني إلى الحياة اليومية ويقلل الاعتماد على السيارات ويحسن جودة الهواء ويجعل المدن أكثر حيوية.
ووفقاً للمنظمة، تبلغ مسافة نحو 30 في المئة من رحلات السيارات في أوروبا أقل من ثلاثة كيلومترات، بينما تقل مسافة نصف الرحلات تقريباً عن خمسة كيلومترات.
بالنسبة إلى السائح يحدث هذا الاستبدال بصورة شبه تلقائية، فيبدأ يومه بالمشي إلى المقهى ويواصل التنقل بين المعالم والأحياء حتى المساء، بدلاً من الانتقال من المنزل إلى السيارة ثم إلى المكتب أو مركز التسوق.
وقد يقطع المسافر آلاف الخطوات الإضافية من دون أن يقرر ممارسة الرياضة أو يشعر بأنه يتبع برنامجاً لإنقاص الوزن.
غذاء مختلف
وساهمت مواقع التواصل في نشر روايات لأشخاص يقولون إنهم يستطيعون تناول الخبز والمعكرونة في إيطاليا أو فرنسا من دون الشعور بالانتفاخ أو زيادة الوزن التي يربطونها بتناول الأطعمة نفسها في الولايات المتحدة.
ووفقاً لصحيفة «الغارديان»، أصبحت هذه الروايات واسعة الانتشار، وقد تقدم زيادة المشي في المدن الأوروبية تفسيراً أبسط من النظريات التي تمنح الدقيق أو المعكرونة الأوروبية خصائص استثنائية.
ولا يعني ذلك أن تركيبة الغذاء ليست مهمة، فالوجبات التي يتناولها المسافر قد تكون مختلفة في حجمها ودرجة تصنيعها وطريقة تقديمها، حتى عندما تحمل الأسماء نفسها.
وقد لا تكون المسألة أن الخبز الأوروبي يحرق الدهون، فالتفسير الأقرب هو أن النمط الغذائي الكامل للمسافر أصبح مختلفاً، مع عدد أقل من الوجبات العشوائية ومزيد من الطعام الطازج ووقت أطول لتناول الوجبة وحركة أكثر قبلها وبعدها.
وتتغير طريقة تناول الطعام خلال العطلات أيضاً، فقد تصبح الوجبة حدثاً اجتماعياً له بداية ونهاية، بدلاً من أن تكون نشاطاً جانبياً يرافق العمل أو القيادة أو مشاهدة الهاتف.
نتائج متفاوتة
لا تثبت التجارب المتداولة أن السفر يؤدي عموماً إلى خسارة الوزن، فقد توصلت دراسة مستقبلية شملت 122 بالغاً قضوا عطلات تراوحت بين أسبوع وثلاثة أسابيع إلى زيادة متوسطة في الوزن بلغت 0.32 كيلوغرام أثناء العطلة، واستمر جزء من الزيادة بعد ستة أسابيع.
ووفقاً للدراسة، ارتفع النشاط البدني لدى المشاركين بدرجة محدودة أثناء الإجازة، لكن زيادة استهلاك الطاقة كانت أكبر وأدت إلى ارتفاع الوزن في المتوسط. المكتبة الوطنية الأميركية للطب
يعني ذلك أن «حمية أوروبا» ليست نتيجة تلقائية للسفر، فقد تعكس القصص المنتشرة تجارب أشخاص مشوا كثيراً أو غيروا نمط أكلهم، ولا تمثل قاعدة تنطبق على جميع السياح.
إذا كان المشي هو العنصر الخفي في التجربة، فلا يحتاج الشخص إلى تذكرة طيران للاستفادة منه، فيمكن إعادة إنتاج جزء كبير من «حمية أوروبا» من خلال إدخال الحركة في تفاصيل اليوم.
يشمل ذلك المشي إلى الأماكن القريبة واستخدام السلالم والنزول قبل محطة واحدة والمشي بعد الوجبات وتقليل الساعات المتواصلة في السيارة أو أمام المكتب.
ويمكن استعادة الجانب الآخر من التجربة بتناول وجبات واضحة بدلاً من الأكل المتواصل وتقليل الأغذية فائقة المعالجة وإبطاء الوجبة ومنح الطعام وقتاً منفصلاً عن العمل والشاشات.
وتكمن جاذبية «حمية أوروبا» في أنها لا تشبه الحميات المعتادة، حيث لا توجد قائمة طويلة من الممنوعات أو حاجة إلى حساب كل لقمة أو اعتبار النشاط البدني عقوبة مقابل الطعام.

