من أسرار الفراعنة إلى فنجان "اللاتيه".. القرفة ذهب الشرق البني

من بين آلاف النكهات التي عرفها الإنسان عبر تاريخه، بقيت القرفة واحدة من أكثرها سحرًا وتأثيرًا. حفنة صغيرة من مسحوق بنيّ اللون تختزن في داخلها قرونًا من الرحلات البحرية، والطرق التجارية، وأسرار الطب القديم. من طقوس التحنيط في مصر القديمة إلى أكواب اللاتيه الحديثة بنكهة اليقطين، لم تفقد القرفة مكانتها، بل أعادت تقديم نفسها في كل عصر بروح جديدة.

القرفة في جوهرها هي اللحاء الداخلي لشجرة استوائية دائمة الخضرة. النوع الأكثر نقاءً يُعرف علميًا باسم Cinnamomum verum، ويُسمّى تجاريا القرفة السيلانية، نسبة إلى موطنه الأصلي في سريلانكا. وقد ظل هذا النوع لقرون معيار الجودة الأعلى بفضل رائحته الرقيقة ومذاقه الناعم المتوازن. ومع توسع التجارة، انتقلت زراعته إلى أجزاء من جنوب شرق آسيا وأمريكا الجنوبية حيث تسمح الظروف المناخية بنموه.

تبدأ عملية إنتاج القرفة بتقليم الأشجار التي يتراوح عمرها بين عامين وخمسة أعوام لتحفيزها على إنتاج براعم جديدة. تُزال الطبقة الخارجية من الأغصان بعناية، ثم يُستخرج اللحاء الداخلي ويُمدّد ويُلف يدويا في أعواد رفيعة تُترك لتجف. بعد أن تصبح الأعواد هشة ومقرمشة، تُصنّف حسب سماكتها وجودتها. ويُعدّ صنف "ألبا" الأرفع والأعلى قيمة، إذ يتطلب وقتاً وجهداً أكبر في التحضير، بينما تُحوَّل الدرجات الأقل غالبًا إلى مسحوق يُباع على نطاق واسع.

تاريخ القرفة ليس مجرد قصة زراعة، بل حكاية تجارة عالمية. فقد وصلت إلى أوروبا عبر طريق الحرير، وارتفع ثمنها هناك إلى أضعاف مضاعفة مقارنة بسعرها في موطنها الأصلي. وكان الشغف الأوروبي بالتوابل، ومنها القرفة، أحد الأسباب التي دفعت القوى البحرية إلى إطلاق رحلات بعيدة خلال عصر الاستكشاف بحثا عن طرق مباشرة إلى منابع الثروة الشرقية. حتى اليوم، لا تزال أعواد القرفة السيلانية عالية الجودة تُباع بأسعار مرتفعة نسبيًا، ما يعكس استمرار مكانتها المميزة.

غير أن القيمة العالية فتحت الباب أمام بدائل أرخص، أبرزها قرفة الكاسيا المستخرجة من Cinnamomum cassia، إضافة إلى أنواع مثل Cinnamomum burmannii وCinnamomum loureiroi. هذه الأنواع تتشابه في الشكل والرائحة، لكنها أكثر حدة وأقل نعومة في الطعم مقارنة بالقرفة السيلانية. وغالبًا ما تُباع ببساطة تحت اسم "قرفة"، ما يجعل التمييز بينها صعبًا على المستهلك العادي، خصوصا في ظل تساهل بعض أنظمة الوسم التجاري، وفقا لموقع "iflscience".

أما من الناحية الصحية، فيعود عبق القرفة المميز إلى مركب "سينامالدهيد"، الذي تشير أبحاث حديثة إلى امتلاكه خصائص مضادة للالتهابات والبكتيريا، مع دراسات جارية حول دوره المحتمل في دعم صحة القلب وتنظيم مستويات السكر في الدم. ومع أن النتائج العلمية لم تصل بعد إلى حسم قاطع، فإن استخدامها الطبي في حضارات متعددة من المصريين القدماء إلى الطب الصيني التقليدي والأيورفيدا يمنحها إرثا غنيا يتجاوز حدود المطبخ.

تعتبر القرفة أكثر من مجرد توابل تضيف نكهة دافئة للطعام والمشروبات؛ فهي تحتوي على مركبات فعالة، أبرزها سينامالدهيد، المسؤول عن رائحتها المميزة وخصائصها الحيوية. أظهرت الدراسات العلمية أن القرفة قد تُسهم في تحسين حساسية الجسم للأنسولين، ما يجعلها مفيدة كعامل مساعد لدعم مرضى السكري من النوع الثاني. كما أظهرت بعض التجارب السريرية أن تناول القرفة قد يساهم في خفض مستويات السكر الصائم في الدم، مع مراعاة أن النتائج قد تختلف بحسب النوع والجرعة.

إضافة إلى ذلك، تشير الأبحاث إلى أن القرفة قد تساعد في تحسين صحة القلب من خلال تقليل مستويات الكوليسترول الضار (LDL) والدهون الثلاثية، ما يقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. كما أظهرت الدراسات المخبرية أن القرفة تمتلك خصائص مضادة للالتهابات ومضادة للأكسدة، مما يقلل من الإجهاد التأكسدي في الجسم، والذي يرتبط بالشيخوخة والأمراض المزمنة.

وعلى صعيد الدماغ، أظهرت أبحاث أولية إمكانية دعم القرفة لوظائف المخ وحماية الخلايا العصبية من بعض أشكال التدهور المرتبط بالعمر، رغم أن هذه النتائج لا تزال بحاجة إلى دراسات سريرية أوسع لتأكيد فعاليتها على البشر. وبالرغم من أن العلم لم يثبت جميع هذه الفوائد بشكل قاطع، إلا أن القرفة تظل توابلًا غذائية آمنة ولذيذة، تحمل فوائد محتملة للصحة إذا أُدرجت بانتظام ضمن النظام الغذائي