ما الذي نفقده حين يتحول تناول الطعام إلى خوارزمية توصيل؟

منذ عهد ليس ببعيد، كان العشاء في المدينة يبدأ بنزهة على الأقدام؛ تنعطف عند زاوية شارع، فيباغتك عبق الثوم المحمص منبعثاً من باب مفتوح، فتسترق النظر من وراء نافذة كساها البخار، لتجلس إلى طاولة لم تعهدها من قبل.

فكما لاحظ الكاتب والشيف الراحل أنتوني بوردين ذات مرة: «يلعب السياق والذاكرة دورين بالغي القوة في كل الوجبات العظيمة في حياة المرء».

وحين نعزل العشاء داخل صندوق ونوكل رحلته إلى خوارزمية صماء، فإننا نلغي السياق برمته.

قد نوفر ثلاثين دقيقة من وقتنا، لكننا نتنازل في المقابل عن عفوية الصدفة، والشغف، والحياة العامة المشتركة التي جعلت من تناول الطعام في الخارج تجربة تستحق أن تُتذكر.

كنت تطلب طبقاً لم تمحصه تقييمات النجوم على المنصات الرقمية وهي مغامرة قد تسفر أحياناً عن وجبة عابرة تُنسى سريعاً، لكنها في كثير من الأحيان كانت تمنحك اكتشافاً حسياً صغيراً وخالداً.

اليوم، بات ذلك اللقاء يمر عبر شاشة جهازك الذكي. لقد نجحت تطبيقات توصيل الطعام في حل المعضلة اللوجستية للجوع بكفاءة، لكنها في سعيها المحموم لتحسين معايير السرعة وتوفير الراحة فككت بصمت تلك الطقوس الثقافية والمعرفية والحسية التي تجعل من تناول الطعام فناً إنسانياً. ولعل أكثر الخسائر خفاءً وفتكاً هو موت الذاكرة.

فعندما تخطو داخل مطعم حقيقي، يرسم دماغك خريطة للتجربة بأبعادها الثلاثة: حركة الباب الأمامي الثقيلة، وهمهمة الأحاديث الجانبية، والضوء الخافت، والثقل المادي لقائمة الطعام الورقية بين يديك.

وحتى لو كانت الوجبة متواضعة وعادية، فإن المكان يترك أثره في الوجدان؛ وحين تعود لزيارته بعد شهور، تكفي نظرة واحدة إلى القائمة لتستعيد فوراً ذكرى ما تذوقته حينها.

تأتي تطبيقات التوصيل لتسطّح هذا المشهد بأكمله: فكل مطبخ سواء كان متجر نودلز عريقاً تديره عائلة مهاجرة في نيويورك أو لندن، أو مطعماً راقياً من طراز «بيسترو» في ربوع دبي يُختزل في الواجهة النمطية ذاتها: خط «هيلفيتيكا» المطبعي، وصورة مصغرة، وقائمة مصممة لإتمام الدفع بسرعة خاطفة.

وبمجرد تجريدها من سياقها المادي، تصل الوجبة منزوعة المكان؛ تُلتهم على الأريكة ذاتها، أو فوق لوحة المفاتيح التي تقضي عليها بقية يومك، فلا تترك وراءها أي خطاف حسي تتعلق به الذاكرة.

وخلال ساعات من إلقاء العلبة الكرتونية في سلة المهملات، يتبخر اسم المطعم تماماً من الذهن.

لقد شنت قابلية التنبؤ الخوارزمي هذه حرباً شعواء على الروح البصرية للطعام ذاته؛ فالطبق في صالة المطعم يمثل شخصية قائمة بذاتها، حيث يبني الطهاة تكوينه بهندسة متعمدة: يوازنون بين الطبقة المحمرة والداكنة من اللحم المشوي والخضار المقرمشة، ويوظفون الفراغ الخزفي في الطبق لتوجيه العين، مع ضمان بقاء القوام متبايناً ومحسوساً.

لكن ما إن يُحبس ذلك الإبداع داخل وعاء بلاستيكي، حتى تنهار تلك الهندسة المعمارية كلياً.

فالبخار يحول القشور الذهبية المقرمشة إلى كتل رطبة مائعة، ويجعل الصلصات الرقيقة دهنية ومفككة ليغدو ما يصل إلى باب بيتك ليس طبقاً متناسقاً ومعداً بعناية، بل حمولة باهتة وخاوية من الملامح.

إن فتح كيس التوصيل بات يشبه تفريغ عبوة من الوقود أكثر من كونه لقاءً مع صنعة يدوية وإبداع بشري.

عندما قايضنا الحواس داخل صالة الطعام براحة الصناديق الكرتونية، فقد جردنا الطعام من المكان، والذاكرة، والشخصية.

يحمل هذا التحول كلفة مدنية واجتماعية عميقة، فلطالما شكلت المطاعم «المساحات الثالثة» الحيوية، حيث تتجاور أطياف المجتمع وتتلاقى، وتُمارس الضيافة بوصفها فعلاً من أفعال الرعاية الإنسانية، وتستمد شوارع المدن منها نبضها.