وأوضحوا أن المعركة الحقيقية لم تعد بين «60 ثانية» و«1000 كلمة»، وإنما وقت الجمهور وثقته، خصوصاً مع تغير عاداته الإعلامية وارتفاع حجم المحتوى الذي يتعرض له يومياً، ما يفرض على المؤسسات تقديم المعلومة بسرعة من دون التضحية بالعمق والمصداقية.
ثقة الجمهور
وأوضحت أنه من واقع خبرة أكاديمية في مجال الإعلام تمتد إلى نحو 25 عاماً، فإن الجمهور تغير بصورة واضحة، وأصبح أكثر استعجالاً وانتقائية، وأقل استعداداً لمنح وقته لمحتوى لا يضيف إليه قيمة حقيقية، وهو ما يجعل المنافسة على انتباه المتلقي أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
وأضافت أن الفيديو يمتلك قوة كبيرة في الجذب والوصول السريع، خصوصاً عبر الهاتف ومنصات التواصل الاجتماعي، لكنه لا يستطيع أن يحل محل جميع الأشكال الصحافية، إذ توجد قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية تحتاج إلى سياق وتحليل وتفسير وتعمق، وهنا تظل الكلمة المكتوبة محتفظة بقيمتها.
وأكدت طه أن «الفيديو قد يكسب معركة الوصول، لكن العمق والمصداقية هما ما يكسبان معركة الثقة»، مشيرة إلى أن الجمهور في النهاية لا يبحث عن الشكل بقدر ما يبحث عن قيمة تستحق الوقت الذي يمنحه للمحتوى.
وقال مكتبي، في تصريحات على هامش قمة الإعلام العربي: «بالتأكيد أقرأ، فكيف يمكن لصانع المحتوى أن يخرج مادة جيدة من دون قراءة؟»، لافتاً إلى أن المحتوى المختصر الذي يصل إلى الجمهور في صورة فيديو سريع قد تقف وراءه عملية بحث مطولة ومصادر ودراسات تمتد إلى آلاف الصفحات.
وأشار إلى أن العلاقة بين الفيديو والنص ليست علاقة إحلال، وإنما تكامل، فبينما تمنح المقاطع القصيرة الجمهور خلاصة سريعة، تبقى المادة المكتوبة والدراسات المطولة مصدراً للعمق والتفاصيل التي يحتاج إليها صانع المحتوى لبناء رسالته على أساس معرفي واضح.
ألف كلمة
وقالت إن «الألف كلمة» تظل مهمة في الموضوعات التي لا يمكن اختزالها في دقيقة أو مجموعة من المشاهد السريعة، لأن القارئ لا يحتاج دائماً إلى معرفة ماذا حدث فقط، وإنما يريد أن يعرف لماذا حدث، وما خلفياته، وما الذي يمكن أن يترتب عليه، وهي أسئلة تحتاج إلى مساحة تسمح بعرض الحقائق والسياق والمصادر والتفاصيل.
وأضافت أن قوة الفيديو تكمن في قدرته على جذب الانتباه ونقل المعلومة بسرعة، بينما تكمن قوة النص المتعمق في منح القارئ فرصة لفهم التفاصيل والعودة إلى المعلومات وربطها ببعضها، معتبرة أن تغير عادات الجمهور لا يعني بالضرورة أنه لم يعد يريد القراءة، وإنما أصبح أكثر انتقائية في اختيار المحتوى الذي يستحق وقته.
وشددت بسمة مصطفى على أهمية الحفاظ على مساحة للصحافة المتعمقة، خصوصاً في التحقيقات والملفات الاقتصادية والاجتماعية والقضايا المركبة، التي يصعب اختزال أبعادها في مقطع قصير، مؤكدة أن «الدقيقة قد تخطف انتباه الجمهور، لكن الألف كلمة الجيدة تستطيع أن تمنحه ما هو أبقى من الانتباه.. الفهم».
وأوضح أن الحلقة التي تمتد لنحو 20 دقيقة يمكن تقسيمها إلى مجموعة من المقاطع القصيرة، بحيث يصل كل مقطع إلى الجمهور بفكرة واضحة ومركزة، بما يتناسب مع طبيعة المتابعة الحالية وسرعة استهلاك المحتوى.
ومن جانبه، يرى إبراهيم بولحيول، صانع محتوى، أن نجاح المادة الإعلامية وقدرتها على الوصول إلى الجمهور لا يرتبطان بعدد الكلمات أو مدة الفيديو، وإنما بطريقة تقديمها ومدى ملاءمتها للجمهور المستهدف.
وأوضح أن المادة، سواء كانت قصيرة أم طويلة، تحتاج إلى لغة قريبة من المتلقي وتتناسب مع مجتمعه واهتماماته، مشيراً إلى أن صناعة المحتوى لا تقوم على وجهة نظر صانعها فقط، وإنما تتطلب فهماً دقيقاً للجمهور وسلوكه والبيئة التي يتفاعل فيها.


