التدريب مرحلة أساسية في بناء الكفاءة الوطنية
بوابة اختبار جاهزية الخريجين لسوق العمل
لم تعد الشهادة الأكاديمية وحدها كافية لضمان جاهزية الخريج لبيئة عمل تتغير بوتيرة متسارعة، إذ باتت المسافة بين ما يتعلمه الطالب في القاعة الدراسية وما يواجهه في موقع العمل أحد أبرز التحديات التي تعيد بموجبها المؤسسات التعليمية والحكومية والقطاع الخاص النظر في مفهوم التدريب.
وفي الإمارات، يتجه التدريب العملي والميداني تدريجياً من كونه مرحلة مكملة للمسار الأكاديمي، إلى كونه جزءاً من عملية بناء الكفاءة نفسها، فالطالب لا يكتفي بتلقي المعرفة، وإنما يختبرها في بيئة حقيقية، ويتعلم التعامل مع المواقف المهنية، والعمل ضمن فرق، وتحمّل المسؤولية، واستخدام التقنيات الحديثة.
واتخاذ القرار وحل المشكلات. وتكشف تجارب المؤسسات الحكومية والخاصة عن نموذج متكامل تتقاطع فيه الأدوار بين التعليم والجهات الحكومية والقطاع الصناعي، بهدف تقليص الفجوة بين الدراسة والممارسة، وإعداد خريج لا يحمل المعرفة فقط، بل يمتلك القدرة على تحويلها إلى أداء فعلي.
الكفاءة تبدأ قبل التخرج
وقال البروفيسور إسماعيل مطالقة، رئيس جامعة رأس الخيمة للطب والعلوم الصحية: «يتجاوز مفهوم التدريب السريري حدود التطبيق التقليدي للمناهج، ليصبح جزءاً أساسياً من بناء شخصية الممارس الصحي وقدرته على التعامل مع الواقع المهني».
مؤكداً أن تطوير البرامج الأكاديمية لم يعد مرتبطاً بتحديث المحتوى العلمي فحسب، وإنما أصبح قائماً على سؤال أكثر ارتباطاً بسوق العمل: ماذا يجب أن يعرف الخريج، ومتى يجب أن يكون قادراً على أدائه بكفاءة ومسؤولية عند دخوله بيئة العمل؟
وانطلاقاً من هذا التوجه، أجرت الجامعة مراجعة شاملة لمناهج كليات الطب وطب الأسنان والصيدلة والتمريض، مع تعزيز التعليم القائم على الكفاءات، بحيث يتم الجمع بين المعرفة العلمية والتطبيقية، والكفاءات السريرية، والتفكير النقدي، وحل المشكلات، والتواصل، والعمل ضمن فرق متعددة التخصصات، إلى جانب القيادة واتخاذ القرار والمسؤولية المهنية والأخلاقية.
وأضاف: يأخذ التدريب العملي في هذا النموذج موقعاً محورياً، إذ يتلقى الطلبة تدريبهم الميداني والسريري في شبكة من المستشفيات والمنشآت الصحية المعتمدة في رأس الخيمة والفجيرة وأم القيوين وعجمان، بطاقة سريرية إجمالية تقارب 2000 سرير، فيما يستفيد من فرص التدريب سنوياً نحو 1000 طالب وطالبة من مختلف التخصصات الصحية.
وقال: «لا تكمن أهمية هذه الأرقام في اتساع نطاق التدريب فحسب، وإنما في تنوع الحالات والبيئات المهنية التي يمر بها الطالب قبل التخرج، ما يمنحه فرصة لتحويل المعرفة النظرية إلى ممارسة تحت إشراف متخصصين، واختبار قدرته على التواصل والتعامل مع المرضى والعمل ضمن الفريق واتخاذ القرارات المهنية».
وأردف قائلاً: «كما تعزز الجامعة التدريب متعدد التخصصات، بما يتيح لطلبة الطب وطب الأسنان والصيدلة والتمريض التعلم والتفاعل ضمن بيئة تحاكي فرق الرعاية الصحية الحقيقية، وهو ما يرسخ لديهم مبكراً ثقافة التكامل بين المهن الصحية.
وفي الوقت نفسه، يمتد التطوير إلى ما وراء التدريب السريري، من خلال إدخال الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية والشهادات المصغرة ضمن منظومة التعليم، بما يتيح للطلبة والخريجين اكتساب مهارات إضافية مرتبطة بالتحولات المستقبلية في التشخيص والعلاج والبحث وإدارة الرعاية الصحية».
من التصميم للمشروع
وإذا كان الطالب الصحي يتعلم المهنة من داخل المستشفى، فإن المهندس المواطن يحتاج إلى الانتقال من الرسومات والمخططات إلى موقع المشروع، ومن المعادلات الهندسية إلى واقع التنفيذ، وهنا تبرز تجربة بلدية رأس الخيمة التي تنظر إلى التدريب باعتباره مرحلة أساسية في بناء الكفاءة الوطنية، وليس مجرد استكمال لمتطلبات التخرج.
وأكد منذر بن شكر الزعابي، مدير عام بلدية رأس الخيمة، أن الاستثمار في الكوادر الوطنية يبدأ من منحها الفرصة لاختبار المعرفة في بيئة العمل، مشيراً إلى أن برنامج «إعداد المهندس المواطن»، الذي أطلقته البلدية بالتعاون مع دائرة الموارد البشرية في رأس الخيمة، يستهدف توفير مسار تأهيلي ينقل حديثي التخرج من البيئة الأكاديمية إلى الواقع الهندسي.
وأضاف: «يكتسب البرنامج أهميته من إتاحة التدريب داخل المكاتب الاستشارية وشركات المقاولات المعتمدة، حيث يتعرف المشاركون إلى دورة العمل الهندسي بمراحلها المختلفة، من التخطيط والتصميم إلى التنفيذ والمتابعة وضمان الجودة، وبذلك يصبح التدريب مساحة لاكتشاف الفجوة بين ما يعرفه الخريج وما يستطيع فعله، وهي فجوة لا يمكن قياسها فعلياً إلا داخل موقع العمل».
وقال: «لا يقتصر المسار على المهارات الفنية، بل يشمل إدارة المشاريع، والالتزام بالمواصفات والمعايير، والعمل ضمن فرق متعددة التخصصات، والتواصل، وحل المشكلات، بما يعكس التحول في مفهوم الكفاءة الهندسية من مجرد امتلاك المعرفة إلى القدرة على توظيفها في ظروف حقيقية».
مؤكداً أن دعم التوطين في القطاع الهندسي لا يبدأ عند توفير الوظيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، عبر بناء الكفاءة التي تمنح المهندس المواطن القدرة على المنافسة والاستمرار والتطور وتحمل المسؤولية.
المصنع يتحول لفصل دراسي
وفي القطاع الصناعي، تتخذ فكرة التدريب العملي بُعداً أكثر وضوحاً، فالطالب الذي يدخل مصنعاً دوائياً يواجه منظومة إنتاج وجودة وسلامة وامتثالاً لا يمكن محاكاتها بالكامل داخل قاعة دراسية.
وتقدم شركة «جلفار» نموذجاً لربط التعليم بالصناعة، إذ استفاد من برامج التدريب الصناعي والميداني وتطوير الخريجين لديها 957 طالباً ومتدرباً بين عامي 2021 و2025، بينهم 268 مواطناً إماراتياً، بنسبة تقارب 28 % من إجمالي المستفيدين.
وقال باسل زيادة، الرئيس التنفيذي لـ«جلفار»: «ارتفع عدد المتدربين من 85 في عام 2021 إلى 244 في عام 2025، فيما ارتفع عدد المواطنين المستفيدين من 20 متدرباً في 2021 إلى 75 في 2025، مع تسجيل 78 مستفيداً في 2024، وتعكس هذه الأرقام اتساع نطاق التدريب الصناعي.
لكنها تكشف في الوقت نفسه عن تحول في طبيعته، فالمتدرب لا يكتفي بمشاهدة عمليات الإنتاج، وإنما يتعرف إلى بيئة العمل من الداخل، ويتعامل مع مهام ومشروعات فعلية تحت إشراف المتخصصين».
وأشار إلى أن القيمة الحقيقية للمعرفة تظهر عندما تتحول إلى ممارسة ومهارة وخبرة، ولذلك تجمع برامج الشركة بين التدريب أثناء العمل والمهام الفعلية والمشروعات الميدانية والتفاعل المباشر مع الخبراء، ويمر المتدرب خلال التجربة بعدد من المجالات، تشمل التصنيع والإنتاج، ومختبرات الجودة، والبحث والتطوير، والهندسة والصيانة، وسلسلة الإمداد والخدمات اللوجستية والتقنيات الرقمية.
اختبار مبكر للكفاءة
وأكد المهندس علي قاسم، المدير العام لمؤسسة الفجيرة للموارد الطبيعية، أن المؤسسة تتعامل مع التدريب باعتباره استثماراً استراتيجياً في رأس المال البشري، من خلال برنامجين رئيسيين:
التدريب العملي التخصصي، والتدريب الصيفي للطلبة، ويتيح البرنامجان للطلبة تطبيق معارفهم الأكاديمية داخل بيئة عمل فعلية، والتعرف إلى الأنظمة والإجراءات المهنية، إلى جانب تطوير مهارات التواصل والعمل الجماعي وإدارة الوقت وحل المشكلات.
وأضاف: «خلال السنوات الثلاث الماضية، استفاد من برامج المؤسسة نحو 110 طلبة، فيما يصل عدد المستفيدين في بعض البرامج إلى نحو 45 طالباً، وتتوزع فرص التدريب بحسب التخصصات على إدارات وأقسام مختلفة، من بينها تكنولوجيا المعلومات والجيولوجيا والتعدين، مع توسيع مجالات التدريب لتشمل الذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية وتحليل البيانات، إلى جانب التخصصات المرتبطة مباشرة بعمل المؤسسة».
وأشار إلى أن مدة التدريب تتراوح عادة بين شهر وثلاثة أشهر، وفق متطلبات الجامعات والبرامج الأكاديمية، بينما يخضع المتدرب لمتابعة دورية تشمل تقييم المشرف المباشر ومستوى الالتزام وجودة تنفيذ المهام والتطور المهني والمهاري.
، ولا يتوقف أثر التجربة عند الحصول على شهادة التدريب، إذ تمكن عدد من المشاركين لاحقاً من الالتحاق بالعمل في المؤسسة، خصوصاً في وظائف مرتبطة بقطاع الجيولوجيا والتعدين، بما يحول التدريب إلى قناة لاكتشاف المواهب واستقطاب الكفاءات الواعدة.
تدريب حكومي
وأوضحت نورة جميع الهنداسي، مدير إدارة الدراسات والاتصال المؤسسي في دائرة الموارد البشرية لحكومة الفجيرة، أن الدائرة نفذت خلال الفترة من 2024 وحتى نهاية النصف الأول من 2026 أكثر من 90 برنامجاً وورشة تدريبية، تناولت القيادة والإدارة، والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
والابتكار واستشراف المستقبل، والتخطيط الاستراتيجي، والتميز المؤسسي، والمهارات الوظيفية والشخصية، والسعادة وجودة الحياة، والأمن والسلامة، والاتصال المؤسسي وخدمة المتعاملين.
وأضافت: أتاحت الدائرة خلال الفترة نفسها فرصاً تدريبية لأكثر من 450 متدرباً من الموظفين والخريجين وطلبة الجامعات، في إطار توجه يستهدف الجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي.
وتكشف هذه التجربة عن انتقال التدريب من معالجة احتياج وظيفي محدد إلى بناء ثقافة التعلم المستمر، بحيث يصبح تطوير المهارات جزءاً من المسار المهني وليس مرحلة تنتهي بالحصول على الوظيفة.