بدا الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، حين وقف مساء الخميس (3 سبتمبر الجاري) أمام الكاميرات، محاطاً بوزرائه في القصر الرئاسي، ليعلن أن الأرجنتين «لن تقف مكتوفة الأيدي»، كمن ينفخ في رماد ظل أربعة عقود تحت طبقة رقيقة من الصمت الرسمي.
الرجل الذي طالما جاهر بإعجابه بمارغريت ثاتشر، الاسم الأكثر بغضاً في الذاكرة الأرجنتينية لأنها قادت حملة استعادة الأرخبيل عام 1982، صار في غضون أشهر قليلة المدافع الأول عن «القضية المقدسة». والمفارقة أن ما أشعل هذا التحول لم يأتِ من بوينس آيرس، وإنما من واشنطن، ومن حقل نفطٍ تحت مياه الأطلسي الجنوبي تديره شركة إسرائيلية.
جوهر الإعلان الرئاسي كان مزدوجاً؛ عقوبات مشددة على الشركات العاملة في التنقيب البحري قرب الجزر، تمتد إلى المورّدين والمساهمين وأعضاء مجالس الإدارة، مع مشروع قانون يمنع تلك الشركات من التعاقد أو العمل داخل الأرجنتين؛ وتمويل جديد لقاعدة بحرية في إقليم تييرا ديل فويغو أقصى الجنوب، وتحديث لشبكات الاتصالات هناك. وقد وصف مشروع «سي لايون» بأنه خطر داهم وواضح، محذّراً من أن السماح باستخراج النفط سيمنح لندن حافزاً لتعميق «الاحتلال» واستنزاف موارد بلاده. وفي جملة تلخّص مأزق حكومته كلها، قال "إن بلداً فقيراً بلا قوات مسلحة يصعب أن يحرز تقدماً فعلياً في مطالبه السيادية".
مراجعة موقف
الشرارة الأمريكية سبقت الخطاب بأيام، ففي المكتب البيضاوي، سُئل دونالد ترامب، يوم الاثنين 31 أغسطس، عمّا إذا كانت إدارته تعيد النظر في موقفها من الجزر، فأجاب بأنه يراجع كل المواقف دائماً، وأن هذا واحد من كثير. ثم جاءت مقابلته مع قناة «جي بي نيوز» البريطانية، التي بُثّت الخميس، ليتفادى الإجابة المباشرة عن سؤال ما إذا كانت واشنطن ستهبّ لنجدة بريطانيا في نزاع جديد، مستعيداً بدلاً من ذلك شكواه المعتادة من ضعف الدعم البريطاني لحملة القصف الأمريكية على إيران، ومذكّراً بأن رئيس الوزراء السابق كير ستارمر أبلغه بعدم توافر سفن للمشاركة.
ليست هذه المرة الأولى التي تُطرح فيها فوكلاند بوصفها ورقة ضغط؛ فقد أثارت رسالة داخلية مسرّبة من البنتاغون في أبريل الماضي، احتمال إعادة النظر في الموقف الأمريكي عقاباً لحلفاء الناتو الذين امتنعوا عن المشاركة في حرب إيران.
رد حازم
الرد البريطاني جاء سريعاً ومزدوج النبرة، فقد وصف وزير الدفاع ويس ستريتنغ، التزام بلاده بالجزر بأنه لا يتزعزع، وغمز من قناة الرجل حين كتب أن بيان ميلي يقول عن السياسة الداخلية الأرجنتينية أكثر مما يقول عن فوكلاند. أما المتحدث باسم رئيس الوزراء أندي بيرنهام فأعاد التذكير بأن السيادة بريطانية وأن حق تقرير المصير للسكان هو الفيصل، مستنداً إلى استفتاء 2013 الذي صوّت فيه نحو 4000 من سكان الجزر بأغلبية ساحقة للبقاء إقليماً بريطانياً وراء البحار.
أصل الحكاية
للقصة جذر طويل، إذ تقول الأرجنتين إنها ورثت السيادة على الأرخبيل عن إسبانيا المستعمِرة السابقة، وإن بريطانيا تحتله بصورة غير مشروعة منذ 1833، بينما تردّ لندن بأن إرادة السكان هي الأساس. ومن ذلك التاريخ إلى غزو أبريل 1982 ثم الهزيمة بعد عشرة أسابيع، تحوّلت الجزر إلى جرح مفتوح في الوجدان الوطني؛ 649 جندياً أرجنتينياً و255 عسكرياً بريطانياً وثلاثة من سكان الجزر سقطوا في حرب لا يزال أثرها حاضراً بعد أربعة عقود، والمطالبة بالسيادة مكرّسة في الدستور الأرجنتيني وحاضرة في كل شيء من الأوراق النقدية إلى هتافات كأس العالم، وهي إحدى القضايا القليلة التي تعبر الانقسامات الحزبية كلها.
خيط إسرائيلي
وهنا تحديداً يدخل الخيط الإسرائيلي، وهو خيط ذو طرفين متباعدين في الزمن، متطابقين في المفارقة.
الطرف الأول في الرماد نفسه، فقد أفرجت دار المحفوظات الوطنية البريطانية عن ملفات تعود إلى 16 نوفمبر 1984، تتضمن مذكرة لدبلوماسي بريطاني رفيع يفصّل مبيعات السلاح الإسرائيلية إلى الأرجنتين، ويسجل أن إسرائيل كانت من الدول القليلة التي زوّدت بوينس آيرس بالسلاح خلال النزاع واستمرت في ذلك بعده.
وتكشف الوثائق أن الإمداد جرى عبر بيرو، وشمل صواريخ جو-جو وأنظمة إنذار رادارية وخزانات وقود كبيرة السعة لطائرات «سكاي هوك» الأرجنتينية، منحتها قدرة دفاعية إضافية وزمن تحليق أطول فوق الجزر، إضافة إلى عدد كبير من مقاتلات «نيشر» المجددة، وقُدّرت قيمة الصادرات العسكرية الإسرائيلية في تلك الفترة بنحو مليار دولار. وقد استُخدمت طائرات «سكاي هوك» في إغراق أربع سفن حربية بريطانية، من بينها «سير غالاهاد» التي احترقت وقضى معها 48 شخصاً.
وتُظهر الملفات المفرج عنها كم كان الدبلوماسيون البريطانيون في تل أبيب يشعرون بالقلق، حتى كتب السفير باتريك موبرلي في مايو 1982 عن شعور بأن "النفي" الإسرائيلي قد يُلتفّ عليه بإمداد غير مباشر يحرص الإسرائيليون على إخفائه. بل إن وزير الخارجية جيفري هاو تدخّل شخصياً لدى المسؤولين الإسرائيليين لوقف صفقة طائرات استطلاع إلى الأرجنتين. وقد سبق للصحفي الأرجنتيني هيرنان دوبري أن وثّق هذه العمليات في كتابه الصادر عام 2011، وقال إن ما فعلته إسرائيل جرى عبر قنوات قانونية، غير أنه دعمٌ للأرجنتين لم تقدمه سوى دول قليلة جداً. وبررت إسرائيل حينها الصفقات بحاجة صناعتها العسكرية إليها، وبأن لندن تبيع السلاح لخصومها العرب.
أما الطرف الثاني فتحت الماء اليوم، حيث مشروع «سي لايون» الذي أشعل الأزمة تقوده شركة «نافيتاس بتروليوم» الإسرائيلية بحصة 65 في المئة، مقابل 35 في المئة لشركة «روك هوبر» البريطانية، بكلفة نحو 2.1 مليار دولار للمرحلة الأولى التي تستهدف قرابة 170 مليون برميل، بإنتاج قد يبلغ 50 ألف برميل يومياً وأول ضخّ مقرر في مارس 2028، في موقع يبعد نحو 220 كيلومتراً شمال الجزر، فوق حقل تقدَّر احتياطياته بـ1.7 مليار برميل. والملف ليس جديداً على بوينس آيرس؛ ففي 2022 حظرت وزارة الطاقة الأرجنتينية على «نافيتاس» العمل داخل البلاد عشرين عاماً بعد أن اعتبرت أنشطتها غير قانونية.
مشاعر صعبة
المفارقة أن ميلي هو أشد رؤساء الأرجنتين تماهياً مع إسرائيل، فقد أعلن نقل سفارة بلاده إلى القدس، وأطلق مبادرة «اتفاقات إسحق» لتعزيز علاقات إسرائيل بأمريكا اللاتينية، وظل مرة بعد مرة أقل حماسة في انتقاد «نافيتاس» منه في انتقاد سواها من الشركات الباحثة عن النفط قرب الجزر. وفي ديسمبر الماضي أبدى وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أسفه لما سببه انخراط الشركة من «مشاعر صعبة» بين لندن وبوينس آيرس، مستحضراً خصوصية العلاقة مع ميلي، فردّت بريطانيا بتأكيد التزامها بالإقليم. وذكرت القناة 12 الإسرائيلية أن التوتر حول خطط التنقيب دفع الأرجنتين إلى تعليق نقل السفارة، وهي نكسة لافتة لمشروع كان يُفترض أن يكون عنوان العلاقة بين الرجلين.
ثم جاء التدخل الأكثر ضجيجاً من داخل بيت نتنياهو نفسه، إذ كتب يائير نتنياهو بالإسبانية أن الجزر ملك للأرجنتين، وأعاد ميلي نشر كلامه، ثم تباهى الابن بأنه أسهم بتغريدته في العلاقات بين البلدين، مبرراً موقفه بما سماه نفاق بريطانيا وعداءها لإسرائيل باعترافها بفلسطين، وقائلاً إن الجزر لا تعنيه وإنما تعنيه إسرائيل وحدها. فانفجر الغضب في صفوف أشد أصدقاء إسرائيل ولاءً في لندن، حتى وصف وزير التجارة السابق كونور بيرنز الكلام بأنه بالغ الحماقة. ومع ذلك تصرّ الخارجية الأرجنتينية على أن العقوبات لن تمسّ علاقتها بتل أبيب، فيما تؤكد الشركتان أن تراخيصهما سليمة وأنهما لا تتوقعان أثراً من الإجراءات.
دوافع وتوقيت
يبقى السؤال عن دوافع ميلي والتوقيت الذي اختاره لإثارة هذا الموضوع، ربما تكمن الإجابة في قرب الانتخابات الأرجنتينية (العام المقبل) في ظل شعبيته التي تتراجع واقتصاده الذي يتعثر، وقد وجد في القضية الوحيدة التي تعلو فوق الخلافات السياسية منفذاً مريحاً، حتى قال إن الخلاف حول أسلوبه أو سياسته المالية ممكن، أما مالفيناس فقضية فوق كل خلاف. وردّ النائب المعارض نيكولاس ديل كانيو بأن الرئيس يوظف مطلباً سيادياً مشروعاً لاستعادة أرض انتخابية ولخدمة المصالح الأمريكية في نزاعها مع لندن.
الملاحظ بحسب محللين أن اهتمام ميلي بالملف حديث جداً، وأنه لم يتبنَّ خطاباً سيادياً علنياً إلا قبل أشهر، بعد ظهور تقارير عن مراجعة أمريكية محتملة للموقف، وأن الأمر أقرب إلى ستار دخان في أدنى نقطة من شعبيته. وفي خطابه أمس مضى إلى ما هو أبعد، فوصف بريطانيا بأنها تواجه أزمات هجرة وديموغرافيا واقتصاد يصعب حلّها وأنها تسير في طريق الانحدار، بينما مستقبل الأرجنتين مزدهر.
هكذا يجتمع في مشهد واحد؛ رئيسٌ يستدعي حرباً لم يخضها ليكسب انتخابات لم يحن بعد موعدها، ورئيسٌ أمريكي يساوم حليفاً أطلسياً على موقفه من حرب في الشرق الأوسط، وشركة إسرائيلية تحفر بحثاً عن الذهب الأسود.. الرماد هناك قديم، لكن العبثين به جدد.