الجميع يعرف ماذا يعني (غسل الأموال)، لكنْ قليلون من يعرفون ماذا يعني (غسل العقول). ظاهرة تنتشر في الخطاب العربي خلال السنوات الأخيرة، ونمط من التفكير يمكن تسميته -من دون مبالغة- بـ«ثقافة كبسة الزر».
وهو تفكير يختزل الصراعات الكبرى، والحروب المعقدة، وتوازنات القوة الدولية، في جملة ساذجة (نضغط الزر، فتنهار إسرائيل، أو كبسة واحدة كفيلة بهدم وزارة الدفاع الإسرائيلية، أو إيران تملك من القوة ما يكفي لتغيير وجه المنطقة في دقائق).
هذا الخطاب لا يصدر فقط عن نشطاء مبتدئين على وسائل التواصل الاجتماعي، بل يروّج له صحفيون، ومعلّقون، بل وسياسيون يفترض أنهم أكثر التصاقاً بالواقع وأشد إدراكاً لتعقيداته.
خطورة هذا التفكير لا تكمن في كونه مبالغاً فيه إلى حد الخرافة، بل في كونه تفكيراً تخديرياً بامتياز؛ فهو يقدّم للجمهور رواية مريحة، تبعث الطمأنينة الزائفة، وتغنيه عن طرح الأسئلة الصعبة: كيف تُدار الحروب؟ ما موازين القوى الحقيقية؟ ما كلفة الصراع؟ وما الذي تريده القوى الكبرى فعلاً؟ حين تُقدَّم السياسة على أنها مسألة زر يُضغط، تُلغى الحاجة إلى العقل، وإلى فهم الاقتصاد، والتكنولوجيا، والتحالفات، وإلى إدراك أن القوة العسكرية ليست استعراضاً لفظياً، بل منظومة معقدة، تتداخل فيها الصناعة، والاستخبارات، واللوجستيات، والشرعية الدولية.
ثقافة «كبسة الزر» ليست جديدة تماماً، لكنها وجدت في العصر الرقمي بيئة مثالية للانتشار. وسائل التواصل الاجتماعي، بطبيعتها السريعة والانفعالية، تكافئ الخطاب المبالغ فيه، والشعارات الصاخبة، واليقين المطلق.
أما التحليل الهادئ، المشروط، القائم على الأرقام والسيناريوهات، فيبدو بارداً وغير جذّاب. وهكذا، يصبح من الأسهل تسويق خرافة القوة المطلقة، بدلاً من شرح معنى الردع، أو حدود القوة، أو كلفة استخدامها.
الأمر لا يقتصر على المبالغة في قوة «المقاومة» أو إيران، بل يمتد إلى تبسيط صورة الخصم. إسرائيل، في خطاب «كبسة الزر»، تُصوَّر كأنها كيان هشّ يمكن إسقاطه بضربة واحدة، متناسين أنها دولة منخرطة منذ عقود في منظومة عسكرية وأمنية متقدمة، ومدعومة بتحالفات دولية عميقة، وتملك خبرة طويلة في إدارة الصراع.
إن نقد السياسات الإسرائيلية، أو إدانة جرائمها، أو رفض مشروعها، لا يستلزم تحويلها إلى كرتون سياسي، لأن هذا التبسيط لا يخدم إلا الوهم.
الأخطر من ذلك أن هذا التفكير يُعطِّل بناء أي استراتيجية عقلانية.
فالشعوب التي تُقنع نفسها بأن النصر مسألة زر، لا تستثمر في التعليم، ولا في الاقتصاد، ولا في بناء الدولة، ولا في تطوير أدوات القوة الحقيقية وهي رأس المال البشري وتستبدل الأسئلة الجوهرية: كيف ننهض؟ كيف نحصّن مجتمعاتنا؟ كيف نقلل كلفة الصراع؟ بشعارات عالية النبرة، سطحية المضمون.
وفي النهاية، حين تقع المواجهة الفعلية، تكون الصدمة قاسية، لأن الواقع لا يعمل بمنطق «الكبسة». ويتبخر المبشرون بـ(كبسة الزر)!
كما أن هذا الخطاب يخدم، من حيث لا يدري مروّجوه، القوى التي تدير الصراعات ببرود وحساب.
فالجمهور المخدَّر بالخرافة، أقل قدرة على محاسبة نُخبه، وأقل ميلاً للمطالبة بسياسات واقعية، وأكثر استعداداً لتقبّل الخسائر على أنها «ثمن مؤقت» أو تكتيكي! لنصرٍ مؤجل لا يأتي. وهنا تتحول الخرافة إلى أداة ضبط اجتماعي، لا إلى خطاب تحرري.
التفكير السياسي الناضج لا يعني التخلي عن المبادئ، ولا قبول الظلم، ولا تبرير العدوان. لكنه يعني أولاً فهم العالم كما هو، لا كما نحب أن يكون.
يعني إدراك أن القوة تُبنى ولا تُعلن، وأن الردع ليس شعاراً، وأن الصراع لا يُدار بالهتاف. ويعني قبل ذلك كله، احترام عقل الجمهور، لا تخديره.
إن الخروج من أسر «كبسة الزر» شرط أولي لأي نهضة فكرية أو سياسية. فالأمم لا تُهزم فقط بالسلاح، بل تُهزم حين تستبدل الخرافة بالعقل، والتمني بالتحليل، والأسطورة بالسياسة.
وفي عالم تتكاثر فيه الأزمات، وتتعقّد فيه الصراعات، لم يعد ترف التفكير الواقعي خياراً، بل ضرورة وجودية، وليس (كبسة زر)!