حصيلة السنة الترامبية ومعها بعض الأيام

مضت سنة وأيام عدة من السنة الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض، وإذا ما جربت أن تتأمل حصيلة السنة والأيام معاً فستكتشف أن الرجل قد جاء في ولايته الثانية وهو يحمل في عقله سياسة جديدة، لم يكن العالم يتوقعها، ولا كان يرى بوادر عليها.

وإذا كان بيننا كثيرون يتساءلون عما إذا كانت هذه سياسته الشخصية وسياسة إدارته في حدودها، أم أنها سياسة أمريكية عابرة للإدارة والحزب معاً. الإجابة عن هذا التساؤل تكاد تكون معروفة، وهي أنها فيما يتبدى لنا سياسة أمريكية لا سياسة حزب، يتحرك ترامب تحت مظلته.

الدليل العقلي على ذلك أنها لو كانت سياسته هو، أو سياسة إدارته الجمهورية، لكانت قد صاحبته في رئاسته الأولى، وهذا ما لم يحدث، فالرئيس الأمريكي في حالته الراهنة، وفي سياسته المتبعة، وفي أفكاره التي يتحرك على هداها، ليس هو الرئيس الأمريكي نفسه، الذي عرفناه في رئاسته الأولى.

ليس من المنطقي أن يتغير الرئيس من فترة رئاسية أولى إلى فترة رئاسية ثانية، بهذه الحدة في التغير والتبدل، وبحيث لا تكون هناك صلة تقريباً بينه هناك في فترته الأولى وبينه هنا في فترته الثانية.

عندما فاز حزب ساناي تاكايتشي، رئيسة وزراء اليابان، في انتخابات البرلمان مؤخراً، فإن فوزها وفوز حزبها لفت نظر المتابعين إلى أحد ملامح السياسة التي جاء بها ترامب خلال رئاسته الثانية. هذا الملمح يقول ما معناه، إن الولايات المتحدة يمكنها أن تكون في حل من فعل أشياء كثيرة، إذا كان في مقدور أطراف أخرى حليفة لها أو كالحليفة أن تقوم بالأشياء ذاتها.

ترى هذا في ملف تايوان التي تراها الصين جزءاً منها، وتعمل على هذا الأساس في كل وقت، وتقول ما يعني هذا في كل مناسبة، ذلك أن الولايات المتحدة، التي كانت تتحدث أيام الرئيس جو بايدن، عن أنها تقف إلى جوار تايوان بكل ما يضمن الدفاع عنها ضد أي مخاطر، بدأت مع الرئيس ترامب تلقي هذه المهمة على عاتق اليابان مرة، وعلى عاتق كوريا الجنوبية مرة أخرى. وقد تابعنا كيف أن رئيسة وزراء اليابان قالت قبل الانتخابات، إن أي هجوم صيني على تايوان يهدد اليابان في بقائها وكيانها، وهذا كلام جديد نوعاً ما بالنسبة لليابان، فلقد عاش الشأن التايواني شأناً أمريكياً فيما يخص الدفاع عن تايوان، أو إمدادها بالسلاح والعتاد.

وما قالته وتقول السيدة تاكايتشي يتسق على كل حال مع مبدأ مونرو، الذي أعلن ترامب أنه يتبناه، وهو مبدأ يعود كما نعلم إلى الرئيس الأمريكي جيمس مونرو، في بدايات القرن التاسع عشر، وكان أطلق هذا المبدأ الذي يعني أن للولايات المتحدة مجالاً حيوياً يحيط بها في موقعها من الجهات الأربع، وأن عليها أن تجعل الأولوية في حركتها السياسية أو حتى العسكرية داخل هذا المجال الممتد، بدءاً من جزيرة غرينلاند في أقصى الشمال، ثم وصولاً إلى تخوم أمريكا اللاتينية في الجنوب.

جاهر ترامب بهذا المبدأ منذ جاء، وعلى أساسه راح يعمل، وكان عندما أوكل الشأن التايواني في جانب كبير منه إلى اليابان وكوريا الجنوبية، يعبر عن إيمانه بالمبدأ الشهير في سياسة بلاده الخارجية، بل إنه راح يعدل في اسم المبدأ بما يناسب مقتضى الحال، وبما يجمع في الاسم بين دونالد ومونرو، فسماه: مبدأ دونرو.

والشيء نفسه تقريباً تجده في الملف الأوكراني، والدليل أنك من خلال المتابعة الدقيقة لسياسة الإدارة الترامبية تجاه أوكرانيا في حربها مع روسيا يتبين أن ترامب إذا كان دعا اليابان وكوريا الجنوبية إلى أن تتحملا نصيبهما في الشأن التايواني فهو يدعو الأوروبيين إلى الشيء ذاته فيما يتعلق بأوكرانيا وحربها مع الروس.

وقد فوجئ الأوروبيون بما جاء ترامب يحمله في هذا الشأن، فوقعوا في مشكلة سببها أنهم يشعرون بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يخفي أطماعاً في أوروبا كلها لا في أوكرانيا وحدها، ثم إنهم يشعرون بأنهم لا طاقة لهم على مواجهة عسكرية مع الروس، وهذا هو ما يخيفهم أكثر.

وكان الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، قال هذا المعنى صراحة، وقال، إن أي سياسي أوروبي يتصور أن في مقدور القارة الأوروبية أن تواجه روسيا بغير مساعدة من أمريكا، فله أن يتصور ما يحب، لكنه سيكون حالماً. في الحالتين يجد اليابانيون والكوريون الجنوبيون والأوربيون أنهم في موقف صعب، والأصعب منه أنه موقف ممتد ما امتد بقاء ترامب في مقعده، أما ما بعده فسوف لا ينشغلون به إلا عندما يحين أوانه.