لم تعد التربية اليوم مجرد فعل يقوم به الأبوان داخل جدران المنزل، بل أصبحت منظومة معقدة تتداخل فيها أطراف عديدة، بعضها مرئي وبعضها خفي، وبعضها يشارك الأسرة دون استئذان أو اتفاق على القيم والمرجعيات، والسؤال الذي يفرض نفسه بجرأة:
هل ما زلنا نحن نربي أبناءنا، أم أن أبناءنا يعاد تشكيلهم أمام أعيننا دون أن نشعر؟
التربية في مفهومها البسيط هي العناية والتكفل بالتغذية وتعليم بعض السلوكيات الأساسية، كما يحدث في تربية الحيوانات وترويضها، أما عند الإنسان، فالأمر يتجاوز ذلك بكثير؛ إذ تتحول التربية إلى بناء منظومة قيم، وضبط سلوك، وصناعة وعي، وتشكيل هوية.
في الماضي، كانت الأسرة هي المصدر شبه الوحيد للتربية، تتكامل معها المدرسة والمسجد والمجتمع المحلي ضمن منظومة متقاربة في القيم والاتجاهات، كما أنه لم تكن التربية يوماً شأناً أسرياً خالصاً، بل كانت مسؤولية مشتركة يتقاسمها البيت، والجار، والحيّ كاملاً، الجار كان يملك مساحة أخلاقية للنصح، ويؤدي دوراً تربوياً غير معلن، ينبّه، يوجّه، ويتدخل بدافع الحرص لا الفضول، ذلك القرب الاجتماعي صنع بيئة مراقبة إيجابية، الطفل كان يدرك أن سلوكه مرئي، وأن القيم تُمارس لا تُشرح فقط، العادات والتقاليد لم تكن دروساً نظرية، بل ممارسة يومية حاضرة.
اليوم تغير المشهد... التقارب خف، والحدود أصبحت حساسة، النصيحة تُفسَّر كتدخل، والتوجيه يقابَل أحياناً بالرفض، فانسحب الدور الاجتماعي، وبقيت الأسرة وحدها في مواجهة عالم معقد، ومع هذا الانسحاب، تقدمت منصات مختلفة لتملأ الفراغ، فما غاب عنه الجار، دخلته المنصات بلا استئذان.
فتغير خط التربية وأصبح هناك لاعبون جدد: الشاشات، المنصات الرقمية، المؤثرون، الألعاب الإلكترونية، المحتوى العابر للثقافات، بل وحتى الخوارزميات التي تختار للطفل ما يشاهده دون أن يعرف أحد من قرر ذلك.
ومن منظور علم النفس السلوكي، تقوم عملية تهذيب السلوك – كما في نموذج صندوق سكينر – على أربعة محركات رئيسية: التعزيز الإيجابي، التعزيز السلبي، العقاب، والمكافأة غير المنتظمة.
الأجيال السابقة تربت غالباً على نموذج بسيط وواضح: العقاب عند الخطأ، ومكافأة محدودة عند الصواب، وكانت كلمات مثل: «أحسنت»، «بارك الله فيك» كافية لتعزيز السلوك الإيجابي، لأن الهدف الأساسي كان تجنب الخطأ تفادياً للعقاب.
اليوم تغير المشهد بالكامل، الطفل يتلقى تعزيزاً فورياً من الشاشة: إعجابات، نقاط، مستويات، تفاعل لحظي، بينما قد لا يجد من والديه سوى دقائق متقطعة بعد يوم عمل طويل، لم تعد الأسرة هي المصدر الأقوى للتعزيز، بل أصبحت تنافس منظومات رقمية مصمّمة بعناية لجذب الانتباه وتشكيل السلوك.
في أحد المجالس الأسرية داخل المجتمع، اشتكى أب من أن ابنه لم يعد يتقبل التوجيه المباشر، بينما رد الابن بثقة: «هذا الأسلوب قديم، هكذا يقول التربويون في الإنترنت»، الأب لم يكن غاضباً بقدر ما كان حائراً: أيهما أصح؟ خبرة الأجيال أم النصائح الرقمية السريعة؟ هذا المشهد يتكرر اليوم في كثير من البيوت الخليجية، حيث تتقاطع القيم المحلية مع أنماط عالمية تُعرض على الأبناء بلا فلترة ثقافية أو تربوية.
الأمر الأكثر تعقيداً أن بعض الآباء والأمهات الجدد أنفسهم لم يعودوا على يقين كامل بما هو صحيح أو خاطئ في التربية والسلوك، تتزاحم أمامهم المدارس التربوية الحديثة، ومقاطع الخبراء، ونصائح وسائل التواصل، حتى أصبح القرار التربوي متردداً، متقلباً، وأحياناً متناقضاً:
هل الحزم تربية أم قسوة؟
هل الحرية تنمية شخصية أم فوضى؟
هل العقاب ضروري أم مرفوض نفسياً؟
هذا التردد ينتقل – دون وعي – إلى الأبناء، فيفقدون ثبات المعايير، ويشعرون بأن القواعد قابلة للتغيير وفق المزاج أو الظرف.
تربية الأبناء في هذا الزمن أصبحت من أصعب المهام التي تواجه الآباء والأمهات، ساعات العمل الطويلة أدخلت غرباء كُثُراً إلى حياة الأبناء: مربيات، شاشات، وأصدقاء افتراضيون، ومع هذا التدفق، تزداد الضبابية بين ما هو صحيح وما هو خاطئ، وما ينبغي أن يتعلم وما يمارس أمام العين يومياً.
قديماً، كانت المعايير أوضح: الدين، مكارم الأخلاق، الصداقة، الانتماء، كلها كانت تقدم في إطار متفق عليه اجتماعياً، أما اليوم، فأغلب القضايا أصبحت محل جدل دائم، حتى اختفت عبارة «اتفق الفقهاء» من المشهد العام، وحلّ محلها سيل من الآراء المتناقضة التي يتلقاها الأبناء دون أدوات كافية للتمييز. وهنا يظهر الخطر الحقيقي: فجوة بين ما نعلم أبناءنا نظرياً، وما يرونه عملياً في الواقع، وما يتشربونه من العالم الرقمي، فجوة قد تنتج ارتباكاً في الهوية، وضعفاً في الانتماء، وتشوشاً في منظومة القيم.
يبقى السؤال العملي الأهم: كيف نخفف من هذه التأثيرات المتشابكة؟
البداية الحقيقية تكون من الوالدين أنفسهم، حين لا يكون الأب أو الأم واثقين مما يؤمنان به تربوياً، ينتقل هذا الاضطراب إلى الأبناء فوراً، الطفل يحتاج معايير ثابتة، لا قرارات متقلبة تتغير مع كل موقف أو رأي عابر، التربية لا تُدار بالترند، بل باليقين. ثم يأتي دور البيت، لا كمساحة أوامر، بل كمساحة حوار، الحوار لا يعني التراخي، بل يعني بناء قناعة داخلية تجعل السلوك نابعاً من فهم، لا من خوف مؤقت، الطفل الذي يفهم سبب التوجيه، يلتزم به حتى في غياب الرقابة.
وتبقى الشاشات التحدي الأكبر، إدارتها لا تكون بالعصبية أو المنع المطلق، بل بالمرافقة الواعية، أن يفهم الأبوان ما يشاهده الأبناء، وأن يعلموهم التمييز بين ما يُعرض وما يناسب قيمهم، لأن العالم الرقمي لن يختفي، لكن الوعي يمكن أن يخفف أثره.
وهنا تبرز القدوة كعامل حاسم، كيف ينصح أب أبناءه بالصلاة وهو لا يصلي؟ وكيف يمنعهم من التدخين وهو يمسك السيجارة بيده؟ الطفل لا يتربى بما يسمع، بل بما يرى، لذلك فإن المنصات الرقمية أدركت هذا مبكراً، فوفّرت قدوات من كل بقاع العالم، منها ما هو ملهم، ومنها ما يناقض كل ما نحمله من قيم، وفي هذا الموقف يكمن التحدي الحقيقي: صراع بين قدوة حاضرة في البيت، وقدوة لامعة خلف الشاشة.
ومن الأدوات التربوية التي غابت بهدوء، وأثرها عميق، مناداة الأبناء بكناهم، تلك السنة التي أكدها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ، لم تكن مجاملة لغوية، بل أسلوباً تربوياً عميقاً، الكنية تمنح الطفل مكانة، وتشعره بالمسؤولية، وتضبط سلوكه دون أوامر مباشرة، فحين ينادى الطفل بكنيته، يشعر أنه يعامل كشخص يعتمد عليه، لا كطفل يدار فقط.
وأخيراً، لا يمكن للتربية أن تنجح في عزلة، الشراكة مع المدرسة والمجتمع ضرورة، حتى لا يعيش الطفل بين رسائل متناقضة، وحتى تعود التربية إلى كونها مسؤولية مشتركة، لا عبئاً فردياً مرهقاً، يبقى السؤال معلقاً:
من يربّي من؟
إن لم نُحسن نحن تربية وعينا أولاً، فلن نستطيع حماية وعي أبنائنا.