عندما تنتصر الصحافة للقارئ

إذا كان جمهور الصحافة قد وجد نفسه على موعد في آخر السنة الماضية مع مرور قرن ونصف القرن على تأسيس صحيفة «الأهرام» في القاهرة، فهو في هذه السنة على موعد مع مرور قرنين من الزمان على تأسيس صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.

وإذا شئنا الدقة قلنا إن تأسيس «الأهرام» كان في الإسكندرية لا في القاهرة، فلقد أسسها سليم وبشارة تقلا في 27 ديسمبر 1875 في عروس البحر المتوسط، وصدر العدد الأول منها في الخامس من أغسطس من السنة التالية، وكان صدورها أسبوعياً في البداية، ثم تحولت يومية لاحقاً، ثم اختارت أن تنتقل من الإسكندرية إلى قاهرة المعز.

ولا بد أن نشأتها في الإسكندرية تعيد تذكيرنا بالصحف المغربية التي تصدر جميعها من الدار البيضاء لا من الرباط العاصمة، وتلك على كل حال قصة أخرى، ولكنها تقول لنا إن تأثير الصحيفة، وانتشارها، واتساع قاعدة قرائها، لا يقتضي أن تنشأ في العاصمة بالضرورة.

أما «لوفيغارو» فهي قصة مختلفة، فهي قد أتمت قرنين من الزمان في الخامس عشر من الشهر الماضي، وعاصرت أكثر من جمهورية فرنسية، وعاشت أو عايشت حربين عالميتين، ثم إنها وهي تحتفل بمرور القرنين على تأسيسها تحرص على أن تظل تحافظ على علاقة متجددة ونادرة مع القارئ الذي عاش يتابعها في كل صباح.

هي علاقة نادرة لأنها تحافظ على قارئها الورقي إلى اليوم، وليس أدل على ذلك إلا أنها توزع ما يقرب من 400 ألف نسخة، وتأتي في المرتبة الثانية مباشرة بعد صحيفة لوموند التي تزيد عليها مئة ألف نسخة، وترتبط كل واحدة منهما بعلاقة خاصة مع قرائها، وهي علاقة تجعل التوزيع الورقي يمشي بالتوازي مع الإلكتروني، وتجعل لكل منهما نصيباً في التوزيع وفي الوصول للقارئ، وتجعل القارئ الورقي يحس بأن العصر الإلكتروني لم يخصم شيئاً من حقه في أن يطالع صحيفته المفضلة بالطريقة التي عرفها ونشأ عليها.

وعندما يأتي ذكر صحيفة «لوموند» تخطر على البال قصتها الطريفة مع المجلس البلدي في العاصمة الفرنسية ذات يوم، وكانت القصة أن الصحيفة نشرت مرة أن نصف أعضاء المجلس مرتشون. وقد انقلبت الدنيا على الصحيفة يوم صدور عددها الجديد بهذا الخبر، وكان لا بد من حل ينقذ الصحيفة من غضب المجلس البلدي. كان الحل أنها نشرت خبراً آخر قالت فيه إن نصف أعضاء المجلس غير مرتشين، والغريب أن هذه الصيغة أرضت أعضاء المجلس البلدي، رغم أن معناها لا يختلف في الحقيقة عن معنى الخبر الأول.

ولا تزال هذه القصة من النوادر في تاريخ الصحافة حول العالم، ولا يزال طلاب الصحافة يدرسون الخبرين تارة، ويتندرون بهما تارة أخرى. تماماً كما يدرسون أن الكلب إذا عض شخصاً فهذا ليس خبراً، وإنما الخبر أن يعض الشخص كلباً، وبالطبع لا يوجد شخص عض كلباً فيما سمعنا حتى اللحظة، ولكن المعنى في الموضوع أن الخبر.. أي خبر.. يحتاج إلى شيء من الغرابة في موضوعه ليضمن إقبال القارئ عليه، وإذا فاتته الغرابة في المضمون، فليس أقل من أن يتوفر شيء من الغرابة في الصياغة أو حتى في العنوان.

في الصحافة.. الغرابة هنا لا تعني التفريط في الموضوعية، ولا الإفراط بعناصر الجذب أو الإثارة، ولكن تعني أن القارئ في غالبيته كسول بطبعه، وأنه في حاجة إلى محفزات تأخذه إلى القراءة ولا تَدَعه حتى يقرأ وينخرط في القراءة.

وإذا كانت حكاية المجلس البلدي من الحكايات الطريفة في تاريخ «لوموند»، ففي تاريخ لوفيغارو حكاية أيضاً، ولكنها ليست طريفة بقدر ما هي جادة، بل إنها مما لا تزال الصحيفة تشتهر به وتعتز وتزهو، ثم تقول إن تلك الحكاية كانت جزءاً من تاريخها المكتوب وسوف تظل.

إن تاريخ «لوفيغارو» المكتوب يقول إنها كانت طرفاً منحازاً إلى الرأي العام طول الوقت، لا إلى الحكومة، وأن ذلك إذا كان قد تجلى في شيء على أقوى ما يكون، فهذا الشيء هو قصة الضابط الفرنسي اليهودي ألفريد دريفوس، الذي جرى اتهامه بالخيانة وتسريب معلومات عسكرية للألمان، وجرى الحكم عليه بالنفي والأشغال الشاقة، لولا أن دخول «لوفيغارو» طرفاً في قصته أعطاه البراءة في النهاية، وكانت القصة على بعضها علامة على أن الصحافة لا بد أن تنتصر للمظلوم، وأن انتصارها له انتصار لقارئها بشكل مباشر.

وإذا كان الكاتب الفرنسي إميل زولا قد اشتهر بمقال في حياته، فهذا المقال كان عنوانه «إني أتهم»، وكان ينتصر فيه للعدالة كقيمة في قضية دريفوس، بالضبط كما انتصرت لها الصحيفة ذات القرنين من الزمان.