لم تكن تلك مجرد رحلة... كانت لحظة غيّرت شيئاً ما في داخلي إلى الأبد.
ذات مساء مثقل بالضجيج، أوقفت سيارة أجرة متعبة تشبه صاحبها، جلست في المقعد الخلفي، ولمحت في المرآة وجه رجل بدا لي أنه في الستين من عمره. كانت التجاعيد على وجهه لا تبدو كعلامات زمن... بل كآثار معارك خاضها وحده!
تحركنا، وكان الصمت ثقيلاً، بعد دقائق، حاولت كسر الصمت فسألته: «منذ متى وأنت تعمل؟»، أجابني بصوت خافت: منذ أن كان ظهري مستقيماً.
أدركت أن خلف كلماته شيئاً أعمق.
سألته: «ولماذا لا ترتاح الآن؟».
ساد صمت طويل... طويل لدرجة أنني شعرت بالندم على سؤالي، ثم قال وكأنه يخرج الكلمات من صدره بصعوبة: «لأن هناك من ينتظرني... ولا يملك رفاهية أن أتعب».
التفتت عيناي إلى المرآة، كانت عيناه تلمعان، ليس من الفرح، وبدأ يحكي.
قال إن لديه أربع بنات... أجمل ما في حياته، زوّج منهن اثنتين، ثم سكت فجأة. شعرت أن هناك شيئاً قادماً... شيئاً أثقل من أن يُقال بسهولة.
ابتلع صوته، ثم قال: «اثنتان عندي مريضتان».
توقفت أنفاسي دون أن أشعر. سألته بصوت بالكاد يُسمع: مرض خطير؟
هز رأسه ببطء: «مرض يأكل أعمارهن... ويأكلني معهن».
كانت يده ترتجف قليلاً على المقود... أكمل: «دواؤهن شهري، وثمنه أكبر من كل ما أكسبه، أحياناً أعمل يومين بلا توقف... فقط لأشتري علبة دواء»، ثم صمت.
ذلك الصمت لم يكن فراغاً... كان مليئاً بالعجز.
قال بعدها، بصوت انكسر تماماً: «أصعب شيء... ليس أن أكون فقيراً... بل أن أنظر في عيونهن حين يتألمْن... ولا أستطيع أن أفعل شيئاً».
في تلك اللحظة، شعرت أن الهواء في السيارة لم يعد يكفي، لم أكن أعرف أين أنظر، إلى الطريق، أم إلى الرجل الذي ينهار بصمت أمامي، دون أن يسمح لنفسه بالبكاء؟
أكمل، وكأنه يهمس لنفسه: «أحياناً أقف أمام الصيدلية... أنظر للدواء... ثم أرحل. أخاف أن أعتاد على الشعور بالعجز».
لم أعد أحتمل، كانت الكلمات تخنقني، لكنني لم أجد كلمة واحدة تليق بوجعه. عندما وصلنا، توقفت السيارة، ناولته الأجرة، فمد يده وهو يحاول أن يخفي ارتجافها. قال لي: «الله يرزقك...».
لكن صوته هذه المرة كان أضعف... كأنه يطلب شيئاً أكبر من المال... كأنه يطلب رحمة. نزلت من السيارة، وأغلقت الباب بهدوء... لكنه لم يُغلق داخلي. وقفت أراقبه وهو يبتعد، رجل بسيط يقود سيارته بين الناس، لا أحد يعلم أنه يحمل في قلبه حزناً يكفي مدينة كاملة.
في تلك الليلة، فهمت شيئاً لم أكن أراه من قبل، هناك أناس يعيشون بيننا... يضحكون، يعملون، يمرّون كأنهم بخير... لكنهم في الحقيقة يقاتلون كل يوم لكيلا يسقطوا.
يتألمون بصمت... لأن الكلام لن يغيّر شيئاً... ينكسرون بصمت... لأن لا أحد سيسمع.
نحن لا نراهم... لأننا لا نحاول أن نرى. ومنذ ذلك اليوم... لم تعد أي رحلة عادية بالنسبة لي.