التلوث المعرفي

في العقود الأخيرة، ومع الانفجار المعرفي الذي رافق الثورة الرقمية، ساد اعتقاد واسع بأن البشرية دخلت عصر المعرفة المفتوحة، وظن البعض أن الوصول السهل إلى المعلومات بلا قيود سوف يقود بالضرورة إلى مجتمعات أكثر وعياً وعقلانية، وأفراد أكثر قدرة على اتخاذ القرار السليم، غير أن التجربة العملية كشفت وجهاً آخر للصورة، وأظهرت أن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وفرة المعرفة، فكما حمل هذا التحول فوائد كبيرة في التعليم والبحث والتواصل، حمل معه أيضاً ظاهرة جديدة يمكن تسميتها بـ«التلوث المعرفي»، وهي ظاهرة لا تقل خطورة عن أشكال التلوث الأخرى، لأنها تستهدف العقل مباشرة.

التلوث المعرفي لا يعني غياب المعلومات، أو نقصها، بل العكس، يعني تدفقها بكميات هائلة، دون تدقيق أو تمحيص، واختلاط الحقيقة بالرأي، والعلم بالتخمين، والخبرة بالادعاء، وهو أمر يجعل الفرد محاطاً بكم من الرسائل المتناقضة، التي يصعب معها التمييز، ففي الماضي كانت عملية النشر تمر عبر مؤسسات أكاديمية أو إعلامية تفرض قدراً من المراجعة والمسؤولية، أما اليوم فأصبح بإمكان أي شخص أن يحمل هاتفاً وميكروفوناً وسماعة رأس، ثم يقدم نفسه خبيراً في الطب أو الاقتصاد أو السياسة أو التربية أو العلاقات الاجتماعية. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، لأن الرأي الشخصي يتحول أحياناً إلى حقيقة مزعومة يتلقاها آلاف الناس دون مساءلة.

في المجال الصحي تتجسد هذه الظاهرة بصورة واضحة، فهناك من يقدم وصفات غذائية باعتبارها الطريق الوحيد للصحة الجيدة، ويطالب الناس بالامتناع عن أطعمة أو الإكثار من أخرى، دون سند علمي راسخ، وبعضهم يذهب إلى أبعد من ذلك حين يحذر من الأدوية والعلاجات الطبية، ويدعو إلى بدائل غير مثبتة. وقد دفعت هذه النصائح الخاطئة بعض الناس إلى مضاعفات خطيرة، بل إلى فقدان حياتهم. آخرون يقدمون لك خمس ظواهر إن وجدت فأنت مصاب بكذا من الأمراض، ما يجعل المتلقي في هلع، كل ذلك دون رقيب.

وفي المجال الاجتماعي تنتشر وصفات جاهزة للحياة الأسرية والعلاقات الإنسانية الناجحة والفاشلة. هناك من يحدد للمرأة صفات مثالية تقوم على الطاعة المطلقة والخضوع الكامل، وآخرون يرسمون صورة للرجل المثالي أنها تقوم على القسوة والغلظة، وبعضهم يحول أموراً شكلية إلى معايير للحكم على البشر، فيناقش المظهر أو الصلع أو تفاصيل ثانوية وكأنها أساس النجاح أو الفشل. وهكذا تنتقل الانطباعات الشخصية إلى أحكام عامة، يجري تداولها على نطاق واسع.

أما في السياسة، فالأمر أكثر تعقيداً، فكم من فكرة جرى ترويجها دون دليل منطقي، ثم تحولت مع التكرار إلى قناعة لدى قطاعات واسعة من الجمهور. ومع سرعة تداول الأخبار والشائعات وتزييف الصور، أصبح من السهل صناعة رأي عام قائم على الانفعال لا على الحقائق.

وهنا يصبح التلوث المعرفي مؤثراً في القرارات، وربما في مستقبل المجتمعات.

وتتحمل المنصات الرقمية جانباً من المسؤولية، لأن آلياتها تكافئ الإثارة أكثر مما تكافئ الدقة، فالمعلومة الصادمة تجذب المتابعين، أما المعلومة الدقيقة فتحتاج إلى وقت وصبر، لذلك يحقق أصحاب الادعاءات الجريئة انتشاراً واسعاً، بينما يتراجع صوت المختص الذي يقدم معرفة متوازنة ومبنية على الأدلة.

الأجيال السابقة عانت من ندرة المعلومات، أما جيل اليوم فيعاني من صعوبة فرزها، ولذلك لم تعد المشكلة في الوصول إلى المعرفة، بل في القدرة على التمييز بينها وبين الضجيج المحيط بها. إن العقل النقدي أصبح ضرورة يومية، والشك المنهجي في الادعاءات غير الموثقة بات وسيلة للدفاع عن النفس والمجتمع.

مواجهة التلوث المعرفي لا تتحقق بالمنع أو الوصاية، بل بنشر ثقافة التحقق، واحترام التخصص، وتقدير الدليل العلمي، فكلما اتسعت مصادر المعلومات ازدادت الحاجة إلى عقل متزن قادر على الفرز والاختيار. ومن دون ذلك سنجد أنفسنا أمام عالم يفيض بالكلام، ويعاني في الوقت ذاته من ندرة الحكمة.