كلما تقدّمت في العمر، وجدت نفسي أفكر أكثر في شيء واحد... الوقت! ليس المال، ولا المناصب، ولا الشهرة، بل ذلك العمر الذي يمضي بهدوء في حين أننا ننشغل بكل شيء إلا به. نأتي إلى الدنيا مرة واحدة فقط، ومرة واحدة نعيش طفولتنا، ونرتكب أخطاءنا، ونصنع ذكرياتنا، ونودع أحباءنا!
لا توجد حياة احتياطية نعود إليها إذا أخطأنا الطريق، ولا نسخة أخرى من السنوات التي تمضي. ولهذا أشعر بالحزن كلما تأمّلت أخبار الحروب، ليس لأن المباني تُهدم أو لأن المدن تتضرر فحسب، بل لأن أعماراً كاملة تضيع هناك، أعمار لأشخاص كانوا يريدون أن يعيشوا حياة عادية؛ أب يحلم أن يرى أبناءه يكبرون، وأم تنتظر عودة أحدهم إلى المنزل، وطفل لا يعرف من الدنيا سوى لعبته الصغيرة وأحلامه البريئة.
قد تنتهي الحروب يوماً، وقد يُعاد إعمار المدن، وقد تعود الحركة إلى الشوارع، لكن هناك أشياء لا يمكن أن تعود كما كانت. لا أحد يستطيع أن يعيد لطفل سنوات الخوف التي عاشها، ولا أن يعوّض شاباً عن أحلام دفنها تحت الركام، ولا أن يعيد لإنسان عمراً ضاع وهو ينتظر يوماً أكثر هدوءاً.
أحياناً أتخيل إنساناً وُلد في منطقة صراع، فتح عينيه على الحرب، وكبر مع أخبارها، وتزوّج في ظلها، وشاب شعره وهو ينتظر نهايتها، ثم غادر الدنيا قبل أن يعرف كيف يبدو السلام الحقيقي، كلما فكّرت في هذا المشهد، أدركت أن من أقسى الخسائر أن يمضي العمر كله انتظاراً ليوم لم يأتِ.
ولهذا أتساءل دائماً: إذا كانت الحياة قصيرة إلى هذا الحد، فلماذا نحمل كل هذا القدر من الكراهية؟ لماذا نُثقل قلوبنا بالأحقاد؟ لماذا نهدر سنوات من أعمارنا في خصومات قد لا يتذكّرها أحدٌ بعد سنوات؟
في نهاية الأمر، لا أحد ينتصر على الزمن، الجميع يرحل.. الغني والفقير، القوي والضعيف، ويبقى السؤال الحقيقي: ماذا فعلنا بالأيام التي مُنحت لنا؟
هل كنّا سبباً في طمأنينة من حولنا أم في خوفهم؟ هل تركنا خلفنا أثراً من الرحمة أم أثراً من القسوة؟ هل عشنا الحياة فعلاً أم أمضيناها نؤجّل الحياة إلى وقت آخر.
لهذا أعتقد أن أعظم نعمة يمكن أن يحصل عليها الإنسان ليست عمراً طويلاً فقط، بل عمر هادئ؛ أن يستيقظ دون خوف، وأن ينام دون قلق، وأن يرى أبناءه يكبرون أمام عينيه لا في ذاكرته، وأن يعيش ممتنّاً لما لديه بدل أن يقضي أيامه كلها في انتظار ما قد لا يأتي.
الحياة، مهما طالت، ليست إلا رحلة قصيرة. وأقسى ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يقضي رحلته كلها باحثاً عن السلام، ثم تنتهي الرحلة قبل أن يجده.