درجت العادة أن يقال عن الإنسان إنه «يُسفسط» حين يغالط في جداله أو يضلل غيره بالكلام، غير أن هذا المعنى المتداول لا يكفي لفهم السفسطة في صورتها الأعمق، فهي لا تتعلق بالمغالطة وحدها، بل باللحظة التي تصبح فيها اللغة قادرة على تحويل الكلام من طريق نحو الحقيقة إلى وسيلة لتبرير الفعل.
وتاريخياً عُرف السفسطائيون في أثينا بتعليم الخطابة والجدل، وبالعناية بالإقناع في الحياة العامة، وقد شبه أفلاطون السفسطائي بـ«تاجر بضاعته الكلام»، أما سقراط، فلم يكن يعترض على قوة الخطاب في ذاتها، بل كان يسائل غايتها، أهي تقرب الإنسان من الحقيقة والخير والعدل، أم ترجّح موقفه ولو بقي فعله بعيداً عن هذه المعاني؟
غير أن أهمية هذا الخلاف لا تقف عند حدوده التاريخية، فهو يكشف توتراً يتكرر كلما صار الكلام قادراً على تغطية الفعل بدل كشفه، فالمشكلة لا تبدأ حين تُنكَر الحقيقة، بل حين يتعلم الإنسان كيف يجعل الفعل الملتبس معقولاً، وهنا تظهر السفسطة الجديدة التي تتعامل مع الحقيقة كأنها مادة تُعَدل بحسب الحاجة.
ومن هذا الموضع تتصل السفسطة الجديدة بالأخلاق، لأنها لا تكتفي بتبرير الفعل، بل تنزع عنه القلق الأخلاقي الذي كان ينبغي أن يرافقه، فقد يبرر الإنسان مصلحته باسم الواقعية، أو يصف تراجعه عن مبدأ بأنه مرونة، أو يجعل الخوف حكمة، والانتهازية ذكاء، فليست المشكلة في المسميات وحدها، بل في أن اللفظ حين يتغير يُغير علاقتنا بالفعل نفسه، فالفعل الذي يكتسب وصفاً مطمئناً يصبح أقل عرضة للمساءلة، كأن اللغة تمنحه مسافة آمنة من الحكم الأخلاقي.
لهذا تبدو السفسطة الجديدة أقرب إلى أسلوب تفكير منها إلى رأي يصرح به الإنسان، فهي تعمل حين ينتقل السؤال من هل هذا الفعل عادل؟ إلى: هل يمكن شرحه بطريقة مقبولة؟ والفرق بين السؤالين ليس بسيطاً، فالأول يضع الفعل أمام معيار يتجاوزه، أما الثاني فيبحث عن صيغة تحمي صاحبه من الإدانة، ومع الوقت لا يعود الإنسان محتاجاً إلى إنكار الخطأ، لأنه أحاطه بأسباب تجعله طبيعياً أو مفهوماً، بل قد يعتاده الناس كجزء من المألوف، وهنا تبدأ إشكالية أخلاقية عصية، فالحياة المعاصرة معقدة، لكن هذا التعقيد قد يصبح مخرجاً مريحاً حين يستخدمه الإنسان ليهرب من وضوح السؤال الأخلاقي، فيبدأ بالبحث عن أسباب تجعل فعله مقبولاً أو مفهوماً، وهنا يضيع السؤال الأهم، فما الحد الذي لا ينبغي أن أتجاوزه، حتى لو استطعت تبريره؟
في هذا السياق يتضح معنى سقراط أكثر، ففي نظره لا يحتاج الإنسان إلى معرفة الخير معرفة كاملة، بقدر ما يحتاج إلى ألا يجعل جهله عذراً لما يفعل، فالاعتراف بالجهل عند سقراط بداية للبحث والمراجعة، وليس طريقاً للتهرب من المسؤولية، لذلك كان سؤاله مهماً، لأنه يكشف المسافة التي قد تفصل بين القيم التي نعلنها والاختيارات التي نمارسها، ومن دون هذا السؤال قد تتحول القيم إلى كلمات جميلة لا أثر لها في السلوك، فيظل الإنسان قادراً على مدح العدل والقيم، حتى وهو يبتعد عنها في حياته اليومية.
لذلك لا يكون السفسطائي الجديد شخصاً بعيداً عنا دائماً، بل قد يكون قيمة مرتبكة في داخلنا، أو سلوكاً هجيناً يعرف طريق الصواب لكنه يختار الالتفاف حوله، ويظهر حين نحاول أن نمنح رغباتنا لغة أكثر قبولاً، عندها لا تختفي الأخلاق، لكنها تصبح أقل قدرة على توجيه ما نختاره، ويصبح السؤال السقراطي أكثر قرباً: هل ما أبرره يكشف قيمة أؤمن بها، أم رغبة أحاول تهذيب صورتها بالكلام؟
وبهذا المعنى لا تنتهي السفسطة الحديثة عند حدود اللغة، بل تمتد إلى علاقة الإنسان بنفسه، فالخطر لا يكون فقط في أن يبرر الإنسان ما يريد، بل في أن يعتاد هذا التبرير حتى يظنه فهماً أو نضجاً أو واقعية، وحين يحدث ذلك لا يعود السؤال الأخلاقي مجرد سؤال عن الفعل، بل عن الصدق الداخلي: هل ما أقوله يكشفني كما أنا، أم يساعدني على الابتعاد عما أعرفه في أعماقي؟ وهنا يصبح التفكير الفلسفي محاولة لاستعادة هذا الصدق، لا للوصول إلى يقين كامل، بل حتى لا يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين ما يريده وما ينبغي أن يفعله.