ما يحمله البابا العائد من أرض الأندلس

لا ينسى ليو الرابع عشر، بابا الفاتيكان، أن فرنسيس الأول، البابا السابق له، قد حضر ذات يوم إلى أبوظبي ليوقع وثيقة الأخوة الإنسانية التي اشتهرت من بعدها، وصارت الوثيقة الأشهر في موضوعها في عالمنا المعاصر.

كان ذلك في الرابع من فبراير 2019، وكان الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، هو الطرف الآخر الحاضر إلى جوار البابا فرنسيس وقتها، فجلسا معاً يوقعان على الوثيقة، وكان المعنى في اجتماع رأس الكنيسة الكاثوليكية مع رأس الأزهر على وثيقة واحدة، أن العالم أحوج ما يكون إلى المعاني التي حملتها الوثيقة ولا تزال.

وفي السادس من هذا الشهر كانت الطائرة قد حملت بابا الفاتيكان إلى العاصمة الإسبانية مدريد في زيارة استمرت أسبوعاً، وقد راح الرجل يتنقل فيها من العاصمة إلى مدينة برشلونة إلى جزر الكناري ويلقي أكثر من خطاب، ويتكلم في أكثر من جماعة من الإسبان، ويتحدث إلى أكثر من مسؤول.. وكيف لا يفعل ذلك والزيارة كما نرى طويلة بشكل لافت.

مما نقلته وكالات الأنباء عنه وفي طريقه إلى بلاد الأندلس قديماً، إسبانيا حديثاً، نفهم أنه قال للإعلام المرافق له في رحلته، إن رسالة الكنيسة التي يجلس على رأسها لم تتغير منذ كان هناك كيان اسمه الكنيسة الكاثوليكية، وإن رسالتها كانت على الدوام واحدة ثابتة، وإن المرتكز فيها كان كرامة الإنسان، وإنه لذلك يشعر بأن عليه أن يحمل هذا المعنى إلى كل مكان يذهب إليه، وإن عدم التفرقة بين إنسان وإنسان على أساس دين أو عرق أو لون أو لغة، مسألة لا بد أن تكون في القلب مما يحمله رجل مثله إلى أركان الأرض الأربعة.

ولا بد أن البابا وهو يستحضر في رأسه هذه المعاني التي جاء يحملها، إنما يدرك أنها كلها كانت حاضرة في بلاد الأندلس يوم قضى فيها العرب والمسلمون ثمانية قرون كاملة، وليس أدل على ذلك إلا أن القرون الثمانية لما انقضت، شهد اليهود الذين عاشوها مع العرب والمسلمين بذلك، بل إن بعضهم غادر الأندلس بعد انقضاء تلك القرون، وقصد البلاد العربية الواقعة على شاطئ المتوسط، وكان يفعل ذلك ولسان حاله يقول إن ما وجده مع العرب والمسلمين في الأندلس من حسن معاملة، وحسن معايشة، وحسن إقامة، سوف يجده كله في كل بلد عربي على شاطئ المتوسط.

والذين تابعوا وصول البابا لاحظوا أن ملك وملكة إسبانيا كانا في استقباله، وأن حفاوة الاستقبال من جانبهما كانت ظاهرة، وأنهما فعلا ذلك ولسان حالهما يقول إن بلادهما ومعها العالم، أحوج ما تكون إلى إحياء رسالة الأندلس القديمة، وكذلك رسالة الكنيسة الحديثة أو المعاصرة هذه الأيام.

وليس سراً أن البابا ليو الرابع عشر هو أول بابا أمريكي يستقر على رأس الكنيسة، ويبدو أن الإدارة الأمريكية تصورت أن ذلك سوف يجعله يتساهل فيما قد يراه من فوق مقعده البابوي، أو يسكت عن أشياء لا يراها مناسبة.

وليس سراً أيضاً أنه اتخذ موقفاً قوياً ضد الحرب ومع السلام، ولم يفرق بين الحرب الروسية الأوكرانية التي دخلت عامها الخامس في الرابع والعشرين من فبراير الماضي، وبين حرب إيران، أو أي حرب أخرى سواهما.

ومن علامات القوة في موقفه أنه دعا الأمريكيين من الناخبين في مختلف الولايات الأمريكية، إلى ممارسة مختلف الضغوط السياسية على ممثليهم في الكونغرس، لعل هذا الأخير بدوره يمارس ضغوطه على الإدارة الأمريكية من أجل وقف الحرب في الشرق الأوسط، أو على الحدود الروسية الأوكرانية، أو كل حرب أخرى اشتعلت قبلهما أو بعدهما.

وقد أثار هذا المسلك البابوي غضب الرئيس ترامب، فهاجم البابا في تصريحات منشورة، ولكن رأس الكنيسة لم يخضع ولم يتراجع عن موقفه القوي الداعم للسلام، ولا عن موقفه القوي أيضاً الرافض لاستمرار الحروب.

أما موقف الرجل في ملف الهجرة فليس أقل قوة من موقفه في ساحة الحرب، وهو لا يزال يقف بالمرصاد لليمين المتشدد الذي يتخذ مواقف ضد المهاجرين، ويجرد قضيتهم من كل بعد إنساني، ويدعو إلى ملاحقتهم طول الوقت.

حدث هذا ويحدث في أكثر من بلد أوروبي، وحدث ويحدث في الغرب بوجه عام، وهو ما يغضب البابا جداً ويجعله يزداد تمسكاً بالأبعاد الإنسانية المجردة عند التعامل مع كل مهاجر.

ولأن الرجل يعرف أن في مدريد حكومة تشاركه همومه، وتشاركه الانحياز إلى السلام في أي أرض، وتشاركه أيضاً النظر إلى كل مهاجر باعتباره إنساناً ألجأته الظروف إلى الهجرة، ولم يهاجر متطوعاً ولا راغباً في ترك وطنه بغير سبب ضاغط.

تشاركه حكومة بيدرو سانشيز هذا كله، ويذهب هو ليقضي في ضيافتها أسبوعاً، ومن هناك راح يبعث الرسالة من وراء الرسالة إلى صناع القرار في كل عاصمة من عواصم العالم الكبرى، وإلى الناس في هذه العواصم على حد سواء.

إنه يعرف أن السياسات في تلك العواصم تخرج إلى العلن بموافقة الناخب ومشاركته ورضاه، ولذلك لا يرفع عينيه عن مخاطبة الناس، لعله يرسخ فيهم الوعي بضرورة أن تكون كرامة الإنسان مرعية في كل سياسة غربية معلنة.