نظرية الشامبو في المفاوضات الإيرانية الأمريكية

في حلقة من برنامج «قابل للنقاش» يوم 22 يوليو الماضي، طرحت على ضيوفي سؤالاً عن المواعيد التي تعلن في المواجهة الأمريكية الإيرانية، ثم تمضي من دون تنفيذ، أجاب الدكتور زيد عيادات، مؤسس مركز المشرق للدراسات الاستراتيجية ورئيسه، بثلاث كلمات إنجليزية تُكتب عادة على عبوات الشامبو: Wash, Rinse, Repeat.

قبل أيام، وبعد إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلغاء ضربة كانت جاهزة للتنفيذ والانتقال إلى مسار التفاوض، كتب لي على «واتساب» العبارة نفسها، مرفقة بكلمة واحدة Remember: في إشارة إلى أن ما بدا تحولاً مفاجئاً كان في نظره امتداداً للنمط نفسه الذي ناقشناه في الحلقة، عندها بدأت أبحث في تاريخ هذا النوع من المفاوضات، فاكتشفت أن ما يبدو سلسلة من القرارات المتناقضة يخضع في كثير من الأحيان لمنطق يتكرر منذ عقود.

تفاصيل الساعات الـ 48 الماضية تقدم نموذجاً واضحاً لهذه الآلية، ففي ساعات قليلة انتقل الخطاب الأمريكي من التلويح بضربة وصفها ترامب بأنها ستنفذ بقوة «لم يسبق أن شوهد مثلها»، إلى الإعلان عن إلغائها وفتح الباب أمام التفاوض بعد حديثه عن طلب مهلة لإتمام اتفاق يعيد فتح مضيق هرمز وينهي الملف النووي.

الدورة ذاتها تكررت 4 مرات خلال 5 أشهر، وأنتجت 3 أطر تفاوضية، و3 عودات إلى الميدان، فيما بقيت عناصرها الأساسية ثابتة: تصعيد، ووساطة، ومهلة، ثم جولة جديدة.

وحين أرسلت للدكتور زيد عيادات هذه القراءة، أعادها إلى أصلها النظري قائلاً: «لهذا السلوك السياسي والتفاوضي جذور وقواعد علمية صارمة في العلاقات بين الدول وفي نظرية الألعاب (Game Theory)، والتصعيد المحسوب والاحتواء المُدار يؤديان إلى إرهاق الخصم وإجباره على التنازل».

بهذا المعنى تبدو المهلة في ظاهرها وقتاً إضافياً، في حين أنها تؤدي وظيفة كاملة داخل عملية التفاوض، خلالها يختبر رد فعل الخصم، وتقاس مواقف الحلفاء، وتُراقَب الأسواق، وتتحرك الوساطات، وتُستكمل الاستعدادات العسكرية إذا تعثر المسار الدبلوماسي، وتتحول المهلة هنا إلى أداة تفاوض قائمة بذاتها، يتجاوز أثرها القرار النهائي إلى التوقعات التي تخلقها خلال فترة المهلة.

التاريخ يقدم أمثلة متكررة على هذا النموذج، مفاوضات الهدنة الكورية انطلقت في يوليو 1951، واستمر القتال حتى الـ 27 من يوليو 1953 بعد 158 اجتماعاً، عامان كاملان كانت المدافع تعمل بالتوازي مع اجتماعات التفاوض، وكل تقدم في الميدان ينعكس على الطاولة، وكل جولة تفاوض تعيد تشكيل حسابات الميدان، وتكرر المشهد في حرب فيتنام، حيث استمرت مفاوضات باريس سنوات، بينما تعاقبت العمليات العسكرية حتى توقيع الاتفاق.. وحتى الاتفاق النووي الإيراني عام 2015 جاء بعد سنوات من العقوبات والضغوط والعمليات السرية قبل الوصول إلى الصيغة النهائية.

القاسم المشترك بين هذه التجارب أن التفاوض تحرك بالتوازي مع التصعيد، والضغط العسكري أعاد تشكيل شروط الحوار، والحوار أعاد رسم حدود استخدام القوة، ولهذا تبدو المواعيد النهائية التي تُعلَن ثم تتغير جزءاً من إدارة الأزمة، فكل مهلة تمنح فرصة لإعادة التموضع، وقياس ميزان القوى، واختبار قدرة الطرف المقابل على الصمود أو تقديم تنازلات، ويتحول الوقت نفسه لأصل تفاوضي، وقدرة كل طرف على استثماره تصبح عنصراً من عناصر القوة.

في المقابل، تمتد الكلفة إلى أطراف تبقى خارج غرفة التفاوض.. فأقساط التأمين ضد مخاطر الحرب قفزت إلى نحو 10% من قيمة هيكل السفينة، وارتفعت أسعار الطاقة، وأعادت الأسواق تسعير المخاطر مع كل جولة جديدة.. الزمن الذي يربحه المتفاوضون تدفع ثمنه سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة وشركات التأمين، ويمتد أثره إلى مستهلكين في أوروبا وآسيا.

الإمارات قرأت هذه البيئة بوصفها واقعاً استراتيجياً طويل الأمد، فمع الإعلان عن مذكرة التفاهم شددت على حماية الممرات البحرية، وحرية الملاحة الدولية، وانسيابية الحركة في مضيق هرمز، ومع عودة التصعيد بعد أسابيع، دعت واشنطن وطهران إلى الوقف الفوري للتصعيد والعودة إلى المسار الدبلوماسي.

بالتوازي مع هذا المسار، واصلت الدولة بناء خياراتها عبر الفجيرة، وخطوط الأنابيب، والتنويع الاقتصادي، ومشروعات الطاقة. الوقت الذي يستثمره المتفاوضون في تحسين مواقعهم على الطاولة، تستثمره الإمارات في البناء.

اغسل، اشطف، كرر، عبارة تبدو ساخرة للوهلة الأولى، لكنها تصف واحدة من أكثر آليات التفاوض تعقيداً في العلاقات الدولية، وحين يتحول التصعيد إلى لغة تفاوض، ويتحول التفاوض إلى وسيلة لإدارة التصعيد، يصبح الوقت نفسه أحد ميادين الصراع، وتصبح كل مهلة جزءاً من معركة مفتوحة.